تنوع نيوز : إيناس الوندي
على موائد الكورد في شمال العراق (كوردستان )،لا سيما في القرى الجبلية الممتدة من خانقين إلى السليمانية ثم أعالي دهوك، يتربع طبقٌ واحد بوصفه “سيّد المائدة الشتوية” ورفيق المناسبات: الديك الرومي، أو كما يعرف في اللهجة الكوردية بـ "قەڵ"، وفي بعض لهجات عشائر هورامان يُسمّى "خاوشوش".
هذا الطائر ليس مجرّد وجبة فاخرة، بل تقليد اجتماعي ممتدّ، يحمل معه ذاكرة جماعية وطريقة عيش، ومذاقًا خاصًا يميّزه الكورد عن بقية مطابخ المنطقة.
طائر الفصول الباردة: طبق الشتاء المدلّل
في الشتاءات القاسية للجبال الكوردية—حيث الثلج يغطي الأسطح، والدخان يتسلل من مواقد “الچولا”—يتحوّل “قەڵ” إلى الوجبة الدسمة التي تنتظرها الأسر في نهاية الأسبوع.
يقول أحد المزارعين من رانية:
“ئەم مەزەی قەڵ له زستانهوا، وەک ژیانە… گەرم، خۆش و پڕ له خوێن.”
(مذاق القەڵ في الشتاء مثل الحياة… دافئ، لذيذ ومليء بالطاقة.)
يُطهى غالبًا محشيًّا بالأرز، والكستناء، واللوز، مع طبقة قشرة مقرمشة تأخذ لون النحاس.
بعض البيوت تضيف إليه “الدهن الحر” لمنحه نكهة قروية عميقة، بينما يُفضّل آخرون تركه على طبيعته لتميّز نكهة لحمه المربّى بطريقة خاصة.
طبق الأفراح والضيوف المميزين
في الثقافة الكوردية، لا شيء يعبّر عن الاحترام والتقدير مثل تقديم “قەڵ” لضيوف البيت.
عند زيارة شخصية مهمة، أو صديق قديم، أو أحد أفراد العائلة العائد من السفر، تُعد هذه الوجبة كرسالة ترحيب:
“هاورێی باشە، قەڵمان لێ خوارد”
(الصديق المقرّب نطعمه قەڵ).
وفي الأعراس والمناسبات الدينية—خصوصًا نوروز وعيد الأضحى—تُحضّر هذه الوجبة بوصفها طقسًا اجتماعيًا يرمز للكرم.
قەڵ… تربية بنكهة خاصة: الجوز واللوز سرّ الطعم
في المناطق الجبلية لشقلاوة وحرير ورواندوز، لا يُربّى الديك الرومي بالطريقة التقليدية فحسب، بل يعتمد المزارعون على إطعامه الجوز واللوز والتوت البري، وهو سرّ النكهة التي يشتهر بها “قەڵ” الكوردي مقارنة بغيره.
يشرح أحد المربين:
“له ناو ئاستانه چەماشیم بە قەڵ دێم… خۆری گەوز و بادام گوشتەکە دهکات خۆش مەزە و نرمی تری”
(أطعم القەڵ الجوز واللوز… فذلك يجعل اللحم أطيب وأطرى.)
هذه الطريقة تمنح اللحم طراوة ودهونًا طبيعية، وتقلّل من رائحته الحادة، مما يجعله مرغوبًا أكثر.
متوفر دائمًا… رفيق الموائد الكوردية
بعكس الكثير من المناطق التي يُعد فيها الديك الرومي طبقًا موسميًا، فإن الكورد—خاصة سكان القرى—يعتبرونه جزءًا ثابتًا من نظامهم الغذائي السنوي.
فهو متوفر في الأسواق الشعبية “بازار”، كما تُربّيه الكثير من العائلات في ساحات البيوت، خصوصًا لأن تربيته لا تتطلب تكاليف كبيرة.
مظاهر الشتاء في القرى الكوردية ترتبط بصوت هذا الطائر كما ترتبط بمواقد الحطب ورائحة الخبز التنّوري.
أكلة تحمل الذاكرة… وتكتب الحكاية
القەڵ ليس مجرد طائر، بل فصل من فصول الشتاء الكوردي، وطقس جماعي، وذاكرة اجتماعية.
فمن صوت المزارع وهو يناديه صباحًا، إلى الوليمة الكبيرة التي تُقام بسببه، يظل هذا الطائر جزءًا من هوية المطبخ الكوردي.
وكلما طُهي على المائدة، حمل معه قصة جديدة… تروى على سفرة عامرة بالضحك والضيوف، وبنكهة الجوز والثلج والجبال.