×

أخر الأخبار

اليوم العالمي للغة الأم… حكاية هوية تُروى بحروفها الأولى

  • اليوم, 10:35
  • 76 مشاهدة

تنوع نيوز. ايناس الوندي

في الحادي والعشرين من شباط/فبراير من كل عام، لا يحتفل العالم بلغةٍ بعينها، بل يحتفل بأول كلمة نطقناها، بأول نداءٍ سمعناه من أفواه أمهاتنا، وباللغة التي تشكّل وعينا قبل أن نتعلّم أسماء الأشياء.
إنه اليوم العالمي للغة الأم… يوم يذكّرنا بأن اللغة ليست مجرد أصوات تتراصف في جملة، بل ذاكرة حيّة، وهوية تمشي على قدمين، وبيتٌ نسكنه حتى لو تغيّرت بنا الجغرافيا.


لماذا 21 فبراير؟
القصة تبدأ في Dhaka عام 1952، حين خرج طلاب يطالبون بالاعتراف بلغتهم البنغالية لغةً رسمية. كانت مطالبهم بسيطة: أن يتكلموا بلغتهم دون خوف. لكن الاحتجاج انتهى بالرصاص، وسقط قتلى صاروا لاحقًا رمزًا عالميًا للنضال من أجل الكرامة اللغوية.
وفي عام 1999، أعلنت UNESCO هذا اليوم مناسبة دولية، ليصبح منذ عام 2000 منصة عالمية للدفاع عن التنوع اللغوي، وحماية اللغات المهددة بالاندثار.
أرقام… تختصر القلق
أكثر من 7000 لغة يتحدث بها البشر اليوم.
نحو 40% من سكان العالم لا يتلقون تعليمهم بلغتهم الأم.
لغةٌ تموت كل أسبوعين تقريبًا… ومعها تموت حكايات الجدّات، وأغانٍ شعبية، وأمثال تختصر حكمة قرون.
حين تموت لغة، لا نفقد قاموسًا فحسب؛ نفقد طريقةً في التفكير، ونفقد لونًا من ألوان البشرية.

اللغة… أكثر من لسان
اللغة الأم ليست مادة دراسية، بل شعور.
هي اللغة التي نبكي بها دون أن نبحث عن مفردة، ونضحك بها دون ترجمة. هي التي نحلم بها في لحظات الخوف، ونعود إليها حين نحتاج الأمان.
الدراسات التربوية تؤكد أن الطفل الذي يتعلّم بلغته الأم في سنواته الأولى، يبني فهمًا أعمق وثقةً أعلى بنفسه. فاللغة ليست وعاءً للمعرفة فقط، بل جسرًا إليها.
ومع ذلك، في عالمٍ تسوده اللغات الكبرى، تتراجع لغات محلية كثيرة، ويصبح الحديث بها أحيانًا موضع إحراج بدل أن يكون مصدر فخر.
بين العولمة والانتماء.


في زمن العولمة، يُطرح السؤال بإعجاب:
كم لغة تتحدث؟


لكن السؤال الأكثر جرأة هو:
هل ما زلت تتقن لغتك الأم؟ هل تكتب بها؟ هل تنقلها لأطفالك؟
لا تعارض بين أن تتقن الإنجليزية أو التركية أو الفرنسيةاو العربية اوالكوردية اوالاشورية أو السريانية او...الخ..من اللغات، وبين أن تحفظ دفء لهجتك الأولى. التعدد اللغوي ثراء، لا تهديد. المشكلة ليست في تعلم لغة جديدة، بل في نسيان القديمة.
في كثير من البيوت، يتحدث الأطفال بطلاقة بلغات أجنبية، لكنهم يتعثرون في قراءة نص بسيط بلغتهم الأم. هنا لا تكون المشكلة لغوية فقط، بل هووية أيضًا.


لغاتنا… تبدأ من البيت
حماية اللغة لا تبدأ بقرار رسمي، بل بحكاية تُروى مساءً.
حين تُصرّ الأم أن يجيب طفلها بلغته، وحين يدوّن كاتب قصته بلهجته المحلية، وحين تُنتج وسائل الإعلام محتوى يحترم التنوع اللغوي… هنا تُصان الهوية.
في المجتمعات المتعددة القوميات، يصبح احترام اللغة الأم احترامًا للإنسان ذاته. فكل لغة تحمل تاريخًا من الألم والأمل، من الأغاني الشعبية إلى الأمثال التي تختصر فلسفة شعبٍ كامل.


رسالة اليوم… ما الذي سنورّثه؟
في اليوم العالمي للغة الأم، لا نحتفل بالحروف فقط، بل نحتفل بالذاكرة الإنسانية.
نسأل أنفسنا بصدق:
هل نقرأ بلغتنا الأم كما نقرأ باللغات الأخرى؟
هل نكتب بها أم نستبدلها تدريجيًا بمفردات دخيلة؟
ماذا سنترك لأبنائنا… لغةً حيّة، أم بقايا مفردات؟
اللغة الأم ليست خيارًا ثقافيًا ثانويًا، بل حقٌ إنساني أصيل، وجسرٌ يصل الماضي بالمستقبل.


فكم لغة تستطيع التحدث بها؟

والأهم… كم لغة تحافظ عليها في قلبك قبل لسانك؟