×

أخر الأخبار

بابلاوي… حين صار الربيع صامتًا قرب باوة محمود تحقيق إنساني عن ذاكرة الترحيل عام 1975

  • اليوم, 11:04
  • 84 مشاهدة

خانقين . ايناس الوندي

على مقربة من باوة محمود، المزار المعروف في أطراف خانقين، حيث كانت العوائل تتوافد في الربيع للاصطياف، وترتفع الدبكات الكوردية وتتعالى الأغاني بين التلال، تقف قرية صغيرة اسمها (بابلاوي) شاهدةً على فصلٍ آخر من الحكاية… فصلٍ لم يكن فيه غناء.
كانت تُعرف قديمًا بـ“قرية بن إمام”، وسكنتها عوائل باجلانية كوردية أصيلة، عاشت على الزراعة وتربية المواشي، ونسجت تفاصيل يومها بين الأرض والمزار القريب، حيث كان الربيع موعدًا للفرح الجماعي. هناك، عند سفوح باوة محمود، كانت الساحات تمتلئ بالزوار، وتدور حلقات الدبكة، وتُوقد مواقد الشاي على الحطب، فيما الأطفال يركضون بين الحقول.

لكن ربيع 1975 لم يكن كسابقه.

اتفاق غيّر المصير
في السادس من آذار 1975، وُقّعت اتفاقية الجزائر بين صدام حسين ومحمد رضا بهلوي، لتبدأ بعدها مرحلة أمنية قاسية في المناطق الكوردية. تحوّلت قرى بأكملها إلى نقاط مراقبة، وأُدرجت أخرى ضمن خطط الإخلاء القسري، بحجة الدواعي الأمنية.
بابلاوي كانت واحدة من تلك القرى التي وجدت نفسها فجأة في قلب الإجراءات.

“الزيل” العسكري… حين دخل العسكر إلى تفاصيل الحياة
يستذكر كبار السن أن موقعًا عسكريًا — يُعرف محليًا بـ“الزيل” — أُقيم في الجهة اليمنى من القرية. لم يكن مجرد بناء عسكري؛ بل كان إعلانًا بأن الحياة كما عرفوها قد تغيّرت.
مع إقامة الموقع، بدأت القيود.
الحركة أصبحت مراقبة.
الأراضي لم تعد آمنة كما كانت.
والأهالي عاشوا تحت ظل الخوف.

في تلك المرحلة، شهدت مناطق خانقين وسركران وقره‌داغ حملات تهجير طالت عوائل كثيرة، من بينها عوائل باجلانية. بعض القرى جُرفت بالكامل، وأخرى أُخليت من سكانها، ونُقل الأهالي إلى مجمعات قسرية أو إلى محافظات بعيدة، تاركين خلفهم البيوت والقبور وأشجار الرمان التي زرعوها بأيديهم.

من ساحة دبكة إلى ساحة صمت
المفارقة المؤلمة أن بابلاوي لم تكن بعيدة عن مكان الفرح.
فالمزار في باوة محمود ظلّ مقصدًا للزوار في مواسم الربيع، لكن القرية القريبة منه عاشت ربيعًا آخر؛ ربيعًا بلا أغاني.
يقول أحد أبناء المنطقة في رواية شفوية:
“كنا نسمع أصوات الزوار في المزار… لكن قريتنا كانت صامتة.”
ذلك التناقض بين الحياة والمغادرة، بين الاحتفال والترحيل، شكّل جرحًا عميقًا في ذاكرة المكان.

ذاكرة لم تُكتب بعد
المعلومات المدونة عن بابلاوي قليلة، لكن ذاكرتها محفوظة في صدور أهلها. في حكايات الجدّات عن ليلة الرحيل، في قصص الرجال عن الأرض التي تُركت قسرًا، وفي أسماء المواقع التي ما زالت تُتداول رغم تغيّر الخرائط.
اليوم، حين يعود الربيع إلى باوة محمود، وتُقام الدبكات من جديد، تبقى بابلاوي حاضرة في الذاكرة… قرية صغيرة قرب مزار كبير، لكنها تحمل تاريخًا من الصبر والاقتلاع.

ليست مجرد قرية؛
إنها شاهد على مرحلة حساسة من تاريخ المنطقة، وعلى سياسات غيّرت البنية الاجتماعية والإنسانية لقرى كوردية كثيرة عام 1975.
وربما آن الأوان أن تُكتب قصتها كاملة…
ليس بوصفها حادثة عابرة، بل كجزء من ذاكرة شعبٍ ما زال يحتفظ بأرضه في القلب، حتى وإن ابتعد عنها جسدًا.

يذكر أنه وُقّعت اتفاقية الجزائر عام 1975 بين صدام حسين(المقبور) ومحمد رضا بهلوي، ونصّت على تسوية الخلاف الحدودي مقابل وقف إيران دعمها للحركة الكوردية.
بعد توقف الدعم، انهارت الجبهة الكوردية سريعًا، ما أتاح للنظام العراقي فرض سيطرته الأمنية الكاملة على المناطق الكوردية.
أعقب ذلك تنفيذ سياسات تفريغ وتهجير للقرى الحدودية وإنشاء مواقع عسكرية بحجة الأمن القومي.
التهجير لم يكن بندًا صريحًا في الاتفاق، لكنه كان نتيجة مباشرة للظروف السياسية التي أفرزها.


وأخيرا :
محمد رضا بهلوي هو آخر شاه حكم إيران (1941–1979)، وقاد مشاريع تحديث واسعة عُرفت بـ“الثورة البيضاء”.
سقط نظامه إثر الثورة الإيرانية عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، وغادر البلاد قبل أن يتوفى في مصر عام 1980.