خانقين. ايناس الوندي
يحتفل الكاكائيون في مدينة خانقين ومناطق أخرى من إقليم كوردستان بحلول عيد (سێ شەوەی قەوەڵتاس)، أحد أبرز أعيادهم الدينية، والذي يمتد لثلاث ليالٍ ذات رمزية روحية خاصة، تعبّر عن الصفاء والتقرب إلى الله، وتعزيز قيم الأخوّة والتعايش السلمي.
ويقول الكاكائيون إن ديانتهم تعود إلى أكثر من 5000 عام، وتشير المصادر التاريخية إلى أن جذورها تمتد إلى الديانة اليزدانية أو المثرائية التي ظهرت بين الشعوب الهندو-أوروبية، وانتشرت لاحقًا في غرب آسيا وصولًا إلى كوردستان. غير أن أول تأصيل ديني منظم ومعروف للديانة الكاكائية يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي على يد السلطان إسحق البرزنجي، الذي يُعد مؤسسها الروحي.
ويُعد الكاكائيون في خانقين جزءًا أصيلاً من الكورد الفيليين، إذ تعود جذورهم التاريخية في المدينة والمناطق المحيطة بها إلى قرون طويلة، وكان لهم حضور واضح في النسيج الاجتماعي والثقافي، وأسهموا في ترسيخ قيم التعايش والانسجام في مدينة تُعرف بتعدديتها القومية والدينية .

ويتوزع الكاكائيون اليوم بين العراق وإيران، حيث يُقدّر عددهم في إقليم كوردستان العراق بنحو 250 ألف شخص، فيما يبلغ عددهم في المناطق الكوردية غربي إيران قرابة ثلاثة ملايين نسمة. وتُعرف الديانة الكاكائية أيضًا باسم اليارسانية أو أهل الحق، بينما تعني كلمة كاكا في اللغة الكوردية “الأخ المحترم”، وهو ما جعلها تُوصف أحيانًا بـ“ديانة الأخوّة”.
وتحتل المرأة مكانة متميزة في الديانة الكاكائية، حيث تتمتع بحقوق اجتماعية ودينية واسعة قياسًا بالمجتمعات الريفية المحافظة المحيطة، وتشارك بشكل فاعل في الطقوس الدينية والمناسبات الروحية.
وتتميّز الصلوات اليارسانية بطابعها الموسيقي، إذ تُؤدّى على شكل تسبيحات خاصة تُرافقها آلات موسيقية، أبرزها الطنبور أو العود المقدس، وتتخللها أناشيد من كتابهم الديني المقدس «كلام سرانغام»، مع مشاركة النساء في أداء هذه الطقوس.
ويعتقد أتباع أهل الحق أن الألوهية (الحق) تتجلّى عبر سلسلة من المظاهر تُعرف بـ“الأدوار”، وتكتمل بالرقم سبعة. ويُعد السلطان إسحق البرزنجي المظهر الرابع، فيما يُنظر إلى المسيح كمظهر خامس، والإمام علي بن أبي طالب كمظهر سادس، ويؤمنون بقدوم الإمام المهدي لإتمام الدور السابع.
كما يؤمن الكاكائيون بتناسخ الأرواح، ولا يعتقدون بعذاب القبر، ولا يلعنون أي مخلوق، بما في ذلك الشيطان. ويُعرف أتباع هذه الديانة بإطلاق شواربهم، إذ يحرّمون حلاقتها أو تشذيبها، ويعتقدون أنها موروثة عن الإمام علي بن أبي طالب.
ويصوم اليارسانيون لمدة ثلاثة أيام في شهر آبان بحسب التقويم الفارسي، الذي يمتد بين شهري تشرين الأول وتشرين الثاني من كل عام.
ويمثّل عيد سێ شەوەی قەوەڵتاس مناسبةً لتجديد الروابط الاجتماعية واستذكار الإرث الروحي والديني، والتأكيد على استمرار حضور الكاكائيين الكورد الفيليين كمكوّن أصيل من نسيج خانقين وكردستان، حاملين قيم التسامح والسلام في مجتمع متنوّع.

ويُعرف الكاكائيون أيضًا بمظهرهم التقليدي المميّز، إذ يُطلق رجالهم شواربهم ويحرّمون حلاقتها أو تشذيبها، باعتبارها رمزًا دينيًا متوارثًا يرتبط بمعتقداتهم الروحية، ويُعدّ جزءًا من هويتهم الدينية والاجتماعية، ويعكس التزامهم بتقاليدهم الموروثة عبر الأجيال.