×

أخر الأخبار

سنندج… مدينة الجبال التي تجمع ظلال التاريخ وتفرّعات الهوية: أين يقف الكورد الفيلية من حكاية المدينة؟

  • 21-11-2025, 12:46
  • 389 مشاهدة

سنندج - ايناس الوندي

على سفوح جبال زاكروس، حيث يمتدّ الضباب الخفيف فوق بساتين الرمان والنفط الأخضر الذي يغلّف أطراف المدينة، تقف سنندج — سِنّه أو Sine باللهجة الكوردية — كواحدة من أهم المدن الكوردية في إيران. مدينة تعيش بين طبقات من الحجر والتاريخ، وتتنفّس لهجاتها وموسيقاها وحكايات ناسها منذ قرون، وكأن الزمن فيها لا يمشي… بل يلتفّ حول نفسه ويعود كل مرة بثوب جديد.

الجغرافيا التي تُنجب الذاكرة
سنندج عاصمة محافظة كردستان في غرب إيران، ومساحتها تمتد بمئات الكيلومترات عبر الوديان والتلال، بينما يقترب عدد سكانها من نصف مليون نسمة. المناخ جبليّ: شتاء بارد تتجلّى فيه القرى كخرزات ثلج على سفوح الجبل، وصيف لطيف تمتلئ فيه الحدائق وساحات "أبدار" بصوت العائلات وأغاني الدفّ.

هذي الطبيعة الجبلية ما كانت مجرد خلفية جغرافية… بل كانت حاجز أمان، وممرّ هجرة، ومسار مقاومة عبر عقود من الصراع بين الدولة المركزية وطموح الكورد بالعيش بكرامة.

مدينة كوردية بروح قديمة
الأسواق هنا ما تغيّرت كثير — البازار العتيق، بيوته الملبّسة بالطين والأقواس الحجرية، وأصوات الصناع اللي ما زالوا يطرقون النحاس كأنهم يحفظون الذاكرة من الضياع. سنندج عُرفت دومًا بأنها مركز الفن الكردي: من الموسيقى السورانية إلى الرقصات القديمة والزيّ الكردي الذي يملأ المناسبات والأعياد.

وفي قلب هذه المدينة المتشابكة الهوية… يظهر سؤال مهم:
أين يقف “الكورد الفيلية” من حكاية سنندج؟

الكورد الفيلية… أبناء الحدود الذين حملوا الهوية على كتفيهم
الكورد الفيلية تاريخيًا هم أبناء الشريط الحدودي بين إيران والعراق: من خانقين ومندلي وجبال كرماشان، حتى إيلام وقلاع الجنوب الغربي. هم كورد لكنهم شيعة، ما جعلهم — في فترات معينة من التاريخ — "خارج التصنيف" في بلدان عاشت على خطوط التمييز الطائفي والقومي.

وبينما ينتشر الفيلية بكثافة في إيلام وكرمانشاه وما جاورها، فإن وجودهم في سنندج محدود وغير مركزي. فالمدينة تُعدّ قلب "الكورد السوران" ولهجتهم وثقافتهم، بينما الفيلية امتدادهم الطبيعي جنوبًا وغربًا أكثر منه شمالًا وشمال شرق.

لكن الرابط ما ينقطع…
فالرحيل والهجرة والتجارة والدراسة والتزواج عبر العقود نسجت خيوطًا بين سنندج والفيلية، وبالأخص مع قرى خانقين ومندلي وباكدايرا وبرواري الجبل.

اللهجة الفيلية… موسيقى حدودية لا تشبه غيرها

الفيلية ما هي مجرد قبيلة… هي لغة ولهجة وثقافة ذات جذور عميقة.
ولهجتهم — المعروفة بـ الفيلي/الكوردية الفيلية — تُصنف ضمن مجموعة "اللورية الشمالية" أو "اللّرية الفيلية"، وتتقاطع مع الكردية السورانية لكنها تحتفظ بنكهتها الخاصة.

أبرز ملامح اللهجة الفيلية:

1. نغمة صوتية مائلة للمدّ
كأن المتكلّم يغنّي الجملة بنعومة.
مثال:

“چمـه‌” بدل “چاوە” (العين)

“ديلم” بدل “دەستم” (يدي)


2. كلمات خاصة لا تظهر في السورانية
مثل:

وشكا = البنت الصغيرة

ئه‌وه‌ر = هناك

پچكه = قليل

هرداوه = معًا


3. بقاء آثار كلمات ميدية ولورية قديمة
اللهجة مليانة جذور تعود لمراحل سابقة من تطور اللغات الإيرانية الغربية.

4. رقة في المخارج وقرب من اللغة العربية الجنوبية العراقية
خصوصًا عند الفيلية الذين عاشوا في خانقين وبغداد.

اللهجة الفيلية تُعتبر جسر بين:

السورانية الكوردية (لهجة سنندج)

اللورية الإيرانية

العربية العراقية
وهذا يجعلها لهجة "توليف" نادرة تعكس مسيرة شعب عاش بين دولتين وظلّ محافظًا على صوته الخاص.


سنندج والفيلية… علاقة غير معلنة ولكنها حاضرة

رغم أن سنندج موطن السوران، والفيلية مركزهم جنوبًا، تبقى العلاقة بينهما موجودة في:

1. التراث الموسيقي

دفّ سنندج التقى كثيرًا بصوت المطربين الفيلية، خصوصًا في المآتم والمناسبات الدينية الشيعية على الحدود.

2. التجارة والهجرة

سنوات الحرب العراقية الإيرانية خلقت حركة لجوء وهجرة، فانتقل بعض الفيلية إلى سنندج لفترات قصيرة قبل العودة أو الاستقرار في أماكن أخرى.

3. الزواج والروابط العائلية

الكثير من العوائل الحدودية خليط:
فيلي–سوراني، فيلي–لكي، فيلي–لورستاني.

4. اللغة المشتركة

رغم اختلاف اللهجتين (السورانية في سنندج والفيليّة في الجنوب)، إلا أن التواصل اللغوي بينهما سهل، وكثير من مثقفي سنندج يهتمون بالبحث في اللهجات المجاورة، ومنها الفيليّة.

خلاصة:
سنندج مدينة لها روحها الخاصة… مدينة السوران، الموسيقى، الأسواق القديمة، والجبال التي تشبه كتاب تاريخ مفتوح.
والكورد الفيلية — رغم أنّ امتدادهم الطبيعي جنوبًا نحو خانقين وإيلام — يظلون جزء مهم من الخارطة الكردية العابرة للحدود. لهجتهم، تاريخهم، وجذورهم الثقافية تخلق صلة غير مرئية بينهم وبين سنندج، صلة مبنية على الجغرافيا المشتركة والهوية التي لا تتقيّد بحدود سياسية.