تنوع نيوز . ايناس الوندي
في السادس عشر من آذار، يقف العراقيون إجلالاً أمام واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، جريمة قصف مدينة حلبجة بالأسلحة الكيمياوية عام 1988، تلك الفاجعة التي نفذها نظام صدام حسين المقبور ضمن حملات الأنفال، فحصدت أرواح الآلاف من الأبرياء خلال ساعات، وتركت جرحاً مفتوحاً في الضمير الإنساني.لكن حلبجة، رغم هولها، لم تكن سوى وجه واحد من جريمة أكبر… جريمة استهدفت الإنسان الكوردي بكل أطيافه، وكان للكورد الفيليين فيها النصيب الأثقل من الألم.
منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، تعرض الكورد الفيليون إلى حملة منظمة من التهجير القسري، سُحبت منهم الجنسية العراقية بقرارات تعسفية، وصودرت أموالهم وممتلكاتهم، وفُصل الأبناء عن الآباء، والأمهات عن أولادهن، في مشاهد تقشعر لها الأبدان. آلاف الشباب اقتيدوا إلى أماكن مجهولة، حيث اختفوا قسراً، ولا تزال قبورهم شاهدة صامتة على جريمة لم يُكشف عن كامل تفاصيلها حتى اليوم.
لم يكن التهجير مجرد نقل قسري، بل كان اقتلاعاً من الجذور. أُجبروا على السير نحو المجهول، نحو المنافي، وتحديداً إلى إيران، بينما كانت مناطقهم وأملاكهم تُسلّم لآخرين، في واحدة من أكبر عمليات التغيير الديموغرافي القسري في تاريخ العراق الحديث.
ومع ذلك، بقي بعضهم متشبثاً بالأرض، في مناطق مثل بدرة، زرباطية، خانقين، مندلي، طوزخورماتو وكركوك، بل وحتى في محافظات الجنوب، حيث استمروا في مواجهة الخوف بصمت، حفاظاً على ما تبقى من عوائلهم ووجودهم.
المفارقة المؤلمة، أن هذه الشريحة التي كانت تشكل عماداً اقتصادياً مهماً، خاصة في أسواق الشورجة في بغداد، حيث كانوا من كبار التجار وأصحاب المهن، تحولت بين ليلة وضحاها إلى ضحية بلا هوية، بلا وطن، وبلا حقوق.
قانونياً، اعترف العراق بعد 2003 بهذه الجرائم، حيث نص قانون مؤسسة السجناء السياسيين وقانون مؤسسة الشهداء، إضافة إلى قانون استعادة الجنسية العراقية، على إنصاف المتضررين، كما أقر الدستور العراقي في مواده مبدأ المساواة ورد الاعتبار للضحايا.
لكن، وعلى أرض الواقع، لا تزال العدالة منقوصة. فالكثير من الكورد الفيليين ما زالوا يعانون من تعقيدات استعادة الجنسية، ومن ضعف التعويضات، ومن التهميش في الوظائف والمناصب، رغم أن ما تعرضوا له يُصنف ضمن جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
إن جريمة حلبجة، رغم الاعتراف الرسمي بها وإقرارها كيوم وطني، تقابلها مأساة الفيليين التي لم تحظَ بذات الحضور في الذاكرة الرسمية. وكأن الألم يُصنّف، أو كأن بعض الضحايا أقل حضوراً في سجل الوطن.
الحقيقتان، حلبجة وتهجير الكورد الفيليين، ليستا حدثين منفصلين، بل هما وجهان لعملة واحدة: سياسة ممنهجة هدفت إلى كسر إرادة الكورد وإبادتهم أو اقتلاعهم من أرضهم.
ومن هنا، فإن العدالة لا تكتمل إلا بالاعتراف المتساوي. وإذا كان من حق حلبجة أن تُخلّد في ذاكرة الوطن بعطلة رسمية، فمن الأجدر أن تُدرج مأساة الكورد الفيليين أيضاً ضمن هذا الإطار، ليس فقط كرمز، بل كخطوة نحو إنصاف تاريخي طال انتظاره.
لأن الأوطان لا تُبنى بالنسيان… بل بالاعتراف، والإنصاف، وردّ الحقوق إلى أصحابها.