تنوع نيوز. ايناس الوندي
في مشهد يحمل دلالات رمزية عميقة وإعادة قراءة موجعة للتاريخ، أعادت مؤسسة الشهداء في العراق تدريس مادة «جرائم حزب البعث» في الصفّ ذاته الذي شهد واحدة من أبشع جرائم القمع في عهد النظام السابق، حيث كُتبت على السبورة العبارة نفسها التي دوّت يومًا كصرخة تحدٍّ: (يسقط صدام).
هي العبارة ذاتها التي ظهرت في أيار عام 1981 على سبورة صف الرابع الإعدادي في إعدادية الكاظمية ببغداد، جملة بسيطة كُتبت في لحظة غضب أو وعي، لكنها كانت كافية آنذاك لتهزّ أركان النظام وتحول المدرسة إلى مسرح لمأساة إنسانية لا تُنسى.
فبعد اكتشاف الشعار، اقتحمت الأجهزة الأمنية المدرسة، واعتقلت جميع طلاب الصف، البالغ عددهم 44 طالبًا، دون أن يُعرف من كتب العبارة فعليًا، في مشهد جسّد منطق العقاب الجماعي الذي كان سائدًا آنذاك.
ولم تتوقف الجريمة عند حدود الاعتقال، إذ تعرّض الطلبة لانتهاكات قاسية، قبل أن يُعدموا لاحقًا في آب من العام نفسه دون محاكمة عادلة، فيما بقي مصير رفاتهم مجهولًا لسنوات طويلة، لتعيش عائلاتهم مأساة الفقد والانتظار القاتل.

واليوم، بعد مرور أربعة وأربعين عامًا، تعود السبورة نفسها لتكتب العبارة ذاتها، لكن هذه المرة لا كاتهام ولا كذريعة للقمع، بل كدرس في الذاكرة الوطنية، ورسالة موجّهة إلى الأجيال الجديدة عن ثمن الكلمة في زمن الاستبداد، وعن حجم الجرائم التي ارتُكبت بحق طلبة كان ذنبهم الوحيد أنهم عبّروا.
وأخيرا : تأتي إعادة إحياء هذه الحادثة اليوم، ليس بوصفها ذكرى عابرة، بل كمسؤولية أخلاقية ووطنية، لكي لا ننسى، ولكي لا ينسى الجيل الجديد ومن بعده حجم الجرائم التي ارتكبها النظام البائد بحق الإنسان العراقي، جرائم لم تستهدف فئة أو عمرًا بعينه، بل طالت الإنسانية جمعاء، في محاولة لمحو الكلمة وكسر الوعي. إن استحضار هذه الصفحات المؤلمة هو ضمانة لعدم تكرارها، ورسالة واضحة بأن ذاكرة الشعوب أقوى من الطغاة، وأن الجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.