أعداد . ايناس الوندي
عشق يولد في البادية
في صحراء جزيرة العرب، وُلدت واحدة من أخلد قصص الحب العذري التي خلدها التراث الإنساني: قصة قيس بن الملوّح، الذي أحب ليلى العامرية حتى الجنون. روايات المؤرخين تذكر أن قيس وليلى نشآ في ديار بني عامر، وتربّيا معًا حتى تعلق قلباهما، لكن التقاليد القبلية وقفت حاجزًا بينهما. زُفّت ليلى إلى رجل آخر، فيما هام قيس على وجهه في الفيافي، منشداً شعره:
“أمرّ على الديار ديار ليلى… أقبل ذا الجدار وذا الجدارا”، حتى صار اسمه مجنون ليلى رمزًا للعشق المأساوي.
من قصة بدوية إلى ملحمة فارسية
لم تبقَ القصة حبيسة البيئة العربية؛ إذ انتقلت مع التوسع الثقافي إلى بلاد فارس، وهناك التقطها الشاعر الكبير نظامي الكنجوي في القرن الثاني عشر، ليعيد صياغتها في قصيدته الشهيرة ضمن “الخمسة الكنوز”. جعل نظامي من القصة أكثر من مجرد حب بشري، بل حوّلها إلى رمز فلسفي وصوفي؛ حيث صار جنون قيس تجردًا عن الدنيا في سبيل الجمال الإلهي.
ومن بعده جاء الشاعر الأذربيجاني فوزولي في القرن السادس عشر، فأضفى على الحكاية أبعادًا وجدانية عميقة في ديوانه “ليلى ومجنون”، حتى غدت القصة حاضرة في كل بيت فارسي وتركي، تتغنى بها المقامات الموسيقية والأغاني الشعبية.
حضورها في الأدب الكوردي
الأدب الكوردي لم يكن بعيدًا عن هذا التيار؛ فقد تناول شعراء كورد القصة بتأثير واضح من النسخ الفارسية، لا سيما في بيئة التصوف التي انتشرت في كردستان.
الشاعر ملا جزيري، أحد أعمدة الشعر الصوفي الكوردي، جعل من الحب الإلهي امتدادًا لفكرة العشق المجنون، وقال:
"ئهگهر دڵ مهسته، عهشق بێ ههدود دهکات / وهكو مجنون، له صحرا شههید دهكەوت"
(إذا كان القلب سكرانًا، فالحب بلا حدود يجعله / مثل مجنون، يسقط شهيدًا في الصحراء).
أما فقي تيران، فعبّر عن العشق العذري بلغة قريبة من مجنون ليلى، قائلاً:
"ئهم عهشقه وهك لهیلێ و مهجنون نابێته تهواو / تا كهوتنه بهیرۆنی دهستی ئازار"
(هذا الحب مثل ليلى ومجنون لا يكتمل / حتى يقع في فخّ الألم).
هذه الاقتباسات تعكس كيف تحولت قصة مجنون ليلى إلى رمز للتضحية والفناء في المحبوب في الشعر الكوردي، تمامًا كما فعلت في الأدب الفارسي، لكن مع لمسة كردية مليئة بالشوق والاغتراب.
من البادية إلى خشبة المسرح الكوردي
لم يقتصر حضور القصة على الشعر؛ ففي العقود الأخيرة، صعدت قصة "ليلى ومجنون" إلى خشبات المسارح الكوردية، خاصة في مدن مثل السليمانية ودهوك. ففي عام 2019، قدّمت فرقة مسرحية في أربيل عرضًا بعنوان "مجنون ليلى"، بقراءة حديثة تربط بين العشق القديم ومأساة الحروب والاغتراب في الواقع الكوردي المعاصر. اعتمد المخرج على الحوار الكوردي الممزوج بالموسيقى التراثية، لتجسيد صراع العاشقين بين التقاليد القاسية والحب المطلق.
هذه الأعمال المسرحية تؤكد أن القصة لم تفقد بريقها، بل أعيد إنتاجها كرمز للمقاومة والحلم في زمن الأزمات.
من الحب الأرضي إلى العشق الإلهي
في كل انتقال، كانت القصة تتحرر من قيودها الأولى لتصبح فلسفة. عند العرب، كانت حبًا عذريًا طاهرًا يرفض المساومة، وعند الفرس والكورد، تحولت إلى استعارة للبحث عن المطلق. فـ"ليلى" لم تعد امرأة من لحم ودم، بل صارت رمزًا للحقيقة الإلهية التي يلهث وراءها السالك. وهكذا، ذاب قيس في صحرائه، كما يذوب المتصوف في محراب العشق الإلهي.
قصة تتحدى الزمان
اليوم، ما زالت "ليلى ومجنون" تلهم الشعراء والفنانين من الهند إلى الأناضول، وتطل في المسرح والموسيقى والسينما. ليس لأنها قصة حب فحسب، بل لأنها سؤال أبدي عن حدود الحب والحرية والمعنى، وهو سؤال لا يعرف زمنًا ولا لغة.