شهدت السياسة الخارجية للولايات المتحدة في القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين نماذج متكررة من الانخراط العسكري في عدد من البيئات المعقدة، كان أبرزها حرب فيتنام.
فبعد حادثة خليج تونكين، دخلت الولايات المتحدة الحرب وكأنها استُدرجت تدريجيًا إلى صراع لم تُحسن تقديراته وتعقيداته. ومع تصاعد العمليات وجدت نفسها غارقة في وحل عسكري وسياسي انتهى بهزيمة واضحة عام 1975. ومع ذلك فإن هذه الهزيمة لم تُفضِ إلى تراجع حاسم في مكانة واشنطن الدولية، إذ لم تكن فيتنام تقع ضمن قلب النظام الجيوسياسي العالمي، وهي ليست جزءًا من الشرق الأوسط، ولا تتحكم بمضائق بحرية حيوية، ولا ترتبط مباشرة بأمن اسرائيل ، الذي يشكل ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية.
تكرر نمط الاستنزاف ذاته في حرب افغانستان، حين دخلت الولايات المتحدة في صراع طويل ضد بيئة غير تقليدية، انتهى بانسحابها وعودة خصومها إلى السلطة. ورغم أن افغانستان تمتلك موقعًا جيوسياسيًا مهمًا، خاصة في سياق التوازنات الآسيوية، فإن أهميتها تراجعت نسبيًا بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، الذي كان يمنحها قيمة استراتيجية أكبر خلال الحرب الباردة. وحتى مع سعي واشنطن لاستخدام أفغانستان، إلى جانب العراق، كجزء من تطويق وحصار ايران، فإن خسارتها هناك لم تُفقدها القدرة على ممارسة الضغط الإقليمي عبر أدوات أخرى.
غير أن المشهد يختلف جذريًا عند الحديث عن إيران. فموقعها الجيوسياسي يضعها في قلب معادلات الطاقة العالمية، وعلى مقربة من أهم الممرات البحرية مثل مضيق هرمز، كما أنها تؤثر مباشرة في توازنات الشرق الأوسط وأمن إسرائيل وشبكة الحلفاء الإقليميين للولايات المتحدة. لذلك، فإن أي هزيمة أمريكية محتملة أمام إيران سواء كانت عسكرية أو استراتيجية لن تكون شبيهة بفيتنام أو أفغانستان. بل قد تترتب عليها تداعيات أعمق، تشمل تآكل المكانة الدولية لواشنطن، واهتزاز منظومة الردع التي تحمي حلفاءها، وربما إعادة تشكيل موازين القوى لصالح قوى منافسة مثل الصين.
في هذا السياق، قد يؤدي صعود إيران إلى موقع قوة إقليمية كبرى إلى تحولات جيواقتصادية لافتة، خصوصًا في ما يتعلق بممرات الطاقة والتجارة. وعليه، فإن الفارق الجوهري بين تجارب فيتنام وأفغانستان من جهة، وأي مواجهة محتملة مع إيران من جهة أخرى، يكمن في أن الأخيرة ليست هامشًا في النظام الدولي، بل عقدة مركزية فيه، ما يجعل كلفة الخطأ فيها أعلى بكثير، ونتائجها أشد تأثيرًا على شكل النظام العالمي نفسه.