ليس الصوم أن نغلق أفواهنا عن الطعام، ونفتحها على الغيبة…
وليس أن نعطّش أجسادنا، ونروّي أرواحنا بالحرام…
وليس أن نمتنع عن الماء ساعات، ثم نرتوي من رشوةٍ أو غشٍّ أو كلمةٍ تقتل سمعة إنسان.
الصوم الذي أراده الله تعالى مدرسةٌ لإحياء الضمير، لا موسماً لتبديل أوقات الأكل. قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
فالتقوى هي الغاية… لا الجوع.
وفي مجتمعنا العراقي اليوم، حيث تختلط القيم بضجيج المصالح، وحيث يختبر الإنسان بين لقمةٍ نظيفةٍ ومالٍ مشبوه… يصبح السؤال أشد إلحاحاً: كيف أصوم؟
أصومُ حين أقول “لا” للحرام، ولو كان مغرياً.
أصومُ حين أرفض الرشوة، ولو ضاقت بي السبل.
أصومُ حين لا أمدّ يدي إلى مالٍ ليس لي، ولو ظننت أن لا أحد يراني… فأنا أعلم أن الله يراني.
قال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب:
“كم من صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.”
لأن الصوم الحقيقي أن تصوم الجوارح قبل البطن، وأن تصوم النية قبل اللسان.
كيف أصوم… ولساني ينهش أعراض الناس؟
كيف أصوم… وأنا أشارك في مجلس غيبةٍ كأنها حديثٌ عابر؟
الغيبة ليست كلماتٍ تمضي… إنها سهامٌ تغرس في القلوب، وذنوبٌ تثقل صحيفة الصائم.
وكيف أصوم… وأنا أغشّ في بيعٍ أو معاملة؟
أخدع الناس بدينار، وأظن أن الله سيبارك لي في رزقٍ بني على باطل؟
المال الحرام لا يملأ بيتاً، بل يملأه قلقاً.
ولا يربي أولاداً، بل يربّي فيهم شقاءً لا يُرى إلا بعد حين.
كم شابٍ في عراقنا خرج يبحث عن لقمة العيش، يحمل أحلاماً أكبر من عمره…
كم واحدٍ منهم كان يؤجل التوبة، ويقول: “إذا استقرت حياتي سأستقيم”…
فلم تمهله الأيام.
مات وهو في مقتبل العمل، ماتت معه مشاريعه، وبقيت أعماله هي التي تتكلم عنه.
وكم من أعمارٍ ضاعت في لهاث التسويق للوهم…
يبيع الإنسان كرامته ليشتري وهماً،
يبيع وقته ليجمع مالاً لا يدري هل سيبقى له أم لغيره.
نركض خلف الدنيا كأننا مخلّدون فيها، وننسى أن الموت أقرب إلينا من خططنا.
الصوم في زمننا أن نعيد ترتيب أولوياتنا:
أن يكون الحلال خطاً أحمر،
والضمير رقيباً،
والله شاهداً في كل معاملة.
الصوم أن تراقب فكرك…
فكم من إنسان لم يرتكب الحرام بيده، لكنه عاشه في خياله، وخطّط له في قلبه.
والقلب إذا فسد، فسد الجسد كله.
الصوم أن تتذكّر أن العراق الذي نشتكي من فساده، يبدأ إصلاحه من نفسي ونفسك.
لا من شعاراتٍ عالية، بل من يدٍ نظيفة، ولسانٍ صادق، ومالٍ طيب.
قال الإمام محمد الباقر:
“إذا صمتَ فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك.”
أي ليصم كيانك كله… ليكون رمضان بداية تحول، لا محطة انتظار.
فلنسأل أنفسنا كل صباح:
هل صمتُ اليوم عن الحرام كما صمتُ عن الطعام؟
هل جاع بطني وشبع ضميري؟
أم جاع جسدي وبقيت روحي أسيرة شهوةٍ أو مالٍ أو كلمة سوء؟
الصوم ليس عادةً سنوية…
إنه ثورة داخلية على النفس.
ومن لم ينتصر على نفسه في شهر الرحمة، فمتى ينتصر؟
فلنصم صوماً يليق بأرواحنا…
صوماً إذا رحلنا بعده، قيل عنا:
هذا رجلٌ كان صائماً حقاً…
فترك أثراً، وترك رزقاً طيباً، وترك سيرةً لا تخجل منه بين يدي الله.