×

أخر الأخبار

خطاب الزعامة المأزومة… الطائفية في مواجهة المواطنة

  • 15-08-2025, 12:43
  • 116 مشاهدة
  • د. طالب محمد كريم

في لحظات يفترض أن تكون امتحاناً للنضج الديمقراطي، يعود الخطاب السياسي في العراق إلى مربّعه الأول: الطائفة والمكوّن، لا الدولة والمواطن. مشهدٌ يتكرر قبل كل انتخابات، لكنه هذه المرة يكتسب خطورته من أنه صادر عن شخصيات كانت – حتى الأمس القريب – في صدارة المؤسسات السيادية، تتحدث بلسان الدولة وتدير عقلها التشريعي، ثم لا تجد حرجاً في العودة إلى لغة التحشيد الضيق.

حين يقول سياسي بحجم رئيس مجلس النواب السابق أمام جمهوره إنه (لا يريد نائباً فقط، بل قائداً وطنياً عربياً عراقياً سُنّياً يرفع الحمل عن أهله العرب السُّنّة)، فإن الرسالة ليست مجرد وعد انتخابي، بل إعادة رسم لحدود الانتماء على أساس الهوية الطائفية. لكنها أيضاً تطرح سؤالاً عميقاً: أي قيادة يقصد؟ أهي قيادة تاريخية سياسية واجتماعية قادرة على جمع الناس، أم قيادة مأزومة تستمد شرعيتها من إثارة العصبية وحشد الغرائز؟

وإذا فككنا عبارته الأكثر تحديداً: “قائد وطني عراقي عربي سُنّي يرفع حمل أهله”، سنجد أنها ليست مجرد تعريف للقائد، بل خارطة أولويات مقلوبة. تبدأ الكلمة بجاذبية (القائد)، ثم تُغلّف بشعار (وطني) و(عراقي) لتمنح الانطباع بالعمومية، قبل أن تُضيّق الإطار إلى (عربي) ثم (سُنّي)، حتى تصل إلى الذروة بـ(يرفع حمل أهله)، أي الانحياز الصريح لجماعة بعينها. هذا التدرج الهرمي يفرغ (الوطنية) و(العراقية) من معناهما العملي، ويحوّل المنصب العام إلى وسيلة خدمة لفئة، لا أداة لإدارة الدولة بعدالة.

القيادة الحقيقية ليست صدىً لماضي الانقسام، بل وعيٌ بالمستقبل، وفنّ في استيعاب التنوعات الإثنية والثقافية، وقدرة على إقناع المختلف قبل المؤيد، والتحدث بلغة الحكمة والنزاهة والكياسة. فما فائدة قيادة تتباهى بأنها (تاريخية) إذا كان تاريخها مليئاً بالأزمات، وتجربتها لا تحمل إلا تكرار الفشل؟ أليس الأجدر استبدال فكرة (القيادة التاريخية) بزعامة استثنائية قادرة على بناء جسور الثقة بين المكوّنات، وتحرير السياسة من عباءة الهويات الضيقة؟

إن بناء الدولة لا يكون بخطاب استُهلك وجُرّب حتى فقد قيمته، بل بخطاب استثنائي يتفوق على بقية الخطابات من حيث عمقه السياسي وبُعده الاستراتيجي، خطاب يحظى باحترام الخارج المراقب قبل الداخل المتأزم، لأن صورة القائد أمام العالم ليست مجرد شأن شخصي، بل انعكاس لهيبة الدولة ورؤيتها.

التجربة العراقية منذ 2003 أثبتت أن الاستثمار في الانقسام لا ينتج دولة، بل يزرع أرضية قابلة للاشتعال عند أول احتكاك. الحرب الأهلية التي عشناها، وأزمات ما بعد (داعش)، وصراعات النفوذ الإقليمي، كلها شواهد على أن اللعب بورقة الطائفة قد يحقق مكاسب انتخابية آنية، لكنه يترك ندوباً عميقة في جسد المجتمع.

الأخطر أن هذا الخطاب يُلقى في زمن حساسية إقليمية عالية، حيث الحدود بين الداخل والخارج شبه غائبة، وأي شرارة خطابية يمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد من صناديق الاقتراع. في بيئة كهذه، يصبح من مسؤولية السياسي أن يوازن كلماته، لا أن يسكب الزيت على نار الانقسام.

لكن الصمت هنا هو الشريك الخفي في الجريمة. لا الجماهير تعترض، ولا النخبة ترد، ولا الإعلام يفتح نقاشاً جاداً، ولا مؤسسات الدولة تتدخل لفرض قواعد الخطاب الوطني. وكأن الجميع قبل بأن الطائفية جزء من اللعبة السياسية.

في النظم التي تحترم نفسها، ترَ السياسي الذي يتبوأ منصباً سيادياً يتبنى خطاباً جامعاً حتى لو كان في قلب معركة انتخابية، لأنه يعرف أن الدولة التي يديرها أكبر من أي مكوّن، وأن شرعيته الحقيقية تأتي من جميع مواطنيه. أما عندنا، فقد تحوّلت الديمقراطية إلى وسيلة للوصول، لا غاية للبقاء، وأصبح الانقسام سلعة مربحة في السوق السياسي.

إن استمرار هذا النمط من الخطاب سيجعل من (روح المواطنة) فكرة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، وسيدفع المجتمع نحو مزيد من التشظي، حيث ينكمش الولاء إلى حدود العشيرة أو الطائفة، فيما تتآكل فكرة الدولة الجامعة. والأخطر أن هذا المسار، إذا لم يُكسر، سيخلق أجيالاً ترى في الانقسام أمراً طبيعياً، وفي الطائفية أداة مشروعة لتحقيق المصالح.

المطلوب اليوم ليس فقط رفض هذا الخطاب، بل كشف كلفته الباهظة على مستقبل العراق. فالمواطنة لا تُبنى بالشعارات، بل بقوانين عادلة، ومؤسسات نزيهة، وثقافة سياسية ترى في المواطن إنساناً كامل الحقوق، لا تابعاً لمكوّن أو زعيم. إن صمتنا اليوم هو الذي سيحدد شكل الغد، وإذا استمر هذا الصمت، فلن نحتاج إلى خصوم خارجيين لتقسيمنا، فسنقوم بالمهمة بأنفسنا.