{وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.
صدق الله العلي العظيم
اليوم هو يوم تفتح أرض العراق فيه ذراعيها لتبوح بأسرارها النازفة، فلا نرى في اليوم الوطني للمقابر الجماعية غير موعد تتلاقى فيه دموع الأحياء بأرواح المغيبين قسراً في سراديب حزن سرمدي طوال عقود مضت.
هي الذكرى التي تعيد إلى الأذهان بوجعها فصلاً مأساوياً من تاريخ العراق، حيث تجسد تلك المقابر المنتشرة في أديم تربة وطننا شواهد حية ودلائل قاطعة على بشاعة الاستبداد والتنكيل الذي تجرعه العراقيون على يد نظام البعث الدكتاتوري الدموي الذي استباح الحرمات وسفك دماء الأبرياء من رجال ونساء وأطفال وشيوخ، فوارى جثمانهم الطاهر في خنادق الموت الظالمة بلا وازع من دين أو ضمير.
صحيح أن مأساة المقابر الجماعية واحدة في ألمها وفجيعتها التي هزت ضمير العراق بكافة أطيافه، إلا أن آثارها على الكورد الفيليين كانت ذات طبيعة مختلفة وأكثر قسوة؛ فهي مأساة لم تتوقف عند حفر الموت المظلمة، بل امتدت وتجذرت كجرح نازف يستمر أثره وتداعياته إلى يومنا الحالي، صراعاً مريراً من أجل إثبات الهوية، واستعادة الحقوق المسلوبة، ومحو تداعيات التهجير والتغييب التي ما زالت عوائلنا تكابد مرارتها في تفاصيل حياتها اليومية.
وإذا ما تأملنا هذا المشهد بعين اليقين الإسلامي ومفهومه الوجودي للعدالة، ندرك أن المقابر الجماعية هي تجسيد للصراع الأزلي بين الاستخلاف في الأرض والطغيان فيها؛ فالحكمة الإلهية جعلت من أجساد الشهداء المغمورة تحت التراب بذوراً للحق لا تموت، وحججاً قائمة تسقط عروش الباطل وإن طال مكثها.
الإسلام المحمدي الأصلي يعلمنا أن الحياة الدنيا ليست سوى فصل أول من رواية لم تكتمل، وأن تغييب الأجساد في باطن الأرض لا يعني غياب الحقيقة، بل هو خطوة نحو القصاص العادل في محكمة ربانية لا يظلم فيها أحد مثقال ذرة، إذ تصبح القبور شهوداً ناطقة، وتذكر كل ذي سلطان بأن الملك لله وحده، وأن بقاء الأثر الصالح هو النجاة الوحيدة من منقلب الخسران.
ومصادفة القدر العجيبة، وجدلية الزمن، تجعل من هذه الذكرى الفاجعة تتزامن اليوم مع الخطوة الأولى لرئيس الوزراء السيد علي الزيدي وهو يستلم سدة المسؤولية الأولى في العراق، ليقف وجهاً لوجه أمام إرث ثقيل من الأوجاع، وأمانة معلقة في أعناق التاريخ والضمير الإنساني. إن هذا التزامن ليس مجرد توافق في المواعيد، بل هو نداء صامت يوجهه الماضي إلى الحاضر، وصرخة تبعث بها أعماق الأرض إلى أعلى هرم السلطة، لتذكره بأن دماء الضحايا هي الجسر الذي عبرت عليه البلاد نحو عهد جديد يرفض الديكتاتورية والتسلط، وتؤكد للنظام الجديد أن العدالة الحقة هي أساس الحكم الرشيد، وأن الوعيد الإلهي للظالمين بالمنقلب والخسران هو حقيقة تاريخية تتجسد في زوال الطغاة وبقاء دماء الأبرياء شاهدة عليهم.
ومن هنا، تشرئب الأعناق وتتطلع النفوس بآمال عريضة وثقة متجددة نحو هذه الكابينة الحكومية الجديدة، متأملين أن تكون أكثر تفاعلاً، وأسرع استجابة، وأعمق إنسانية في التعامل مع شؤون المغيبين من أبناء شعبنا، ولا سيما الكورد الفيليين الذين تجرعوا مرارة مأساة مزدوجة، فدفعوا ثمن هويتهم وإخلاصهم إبادة جماعية وتهجيراً وتغييباً طمس معالم عائلات بأكملها، ليتجاوز دور الحكومة مجرد التعاطف الرمزي إلى العمل الحقيقي على إنهاء هذه المعاناة المستمرة ومحو آثارها الممتدة حتى اليوم.
إن إنصاف هؤلاء الضحايا والكشف عن مصائرهم ليس ترفاً سياسياً، بل هو أولى عتبات العدالة الحقيقية والوفاء الوطني الذي يجب أن يترجمه عهد السيد الزيدي بتكثيف جهود التنقيب وفتح المقابر وتدويل هذا الملف الإنساني في المحافل العالمية لتعريف الأجيال القادمة بحجم التضحيات.
ولتكن هذه الكابينة الوزارية، على قدر آمالنا بها، هي اليد الرؤوم التي تمسح دموع أهالي الضحايا وتطوي هذه الصفحة النازفة، ليمضي العراق ديمقراطياً، آمناً، ومستقراً، يحمي كرامة الإنسان ويرتكز على قيم السلام والعدالة والبناء.
الرحمة والخلود لشهداء العراق الأبرار، والخزي والعار لجلاديهم الذين طواهم النسيان ولعنتهم الأرض والسماء.
الدكتور طارق المندلاوي - الأمين العام للمؤتمر الوطني العام للكورد الفيليين.
بغداد 16 أيار 2026