الصفحة الرئيسية / يوم الشهيد الفيلي… حين يتحوّل الصمت إلى خيانة

يوم الشهيد الفيلي… حين يتحوّل الصمت إلى خيانة



بقلم . ايناس الوندي

في مطلع شهر نيسان من كل عام، يستحضر الكورد الفيليون واحدة من أكثر الفترات قسوة في تاريخهم الحديث، حيث تتجدد ذكرى المآسي التي تعرّضوا لها خلال حملات التهجير والاعتقال التي بدأت مع أوائل هذا الشهر في عام 1980.

وبينما يُحيي العراق رسميًا يوم الشهيد الفيلي في الثاني من نيسان، يرى كثير من أبناء هذا المكوّن أن الأيام الأولى من نيسان بأكملها — بما تحمله من ذكريات الاعتقال الجماعي والتهجير — تمثل مرحلة الألم الحقيقي، حيث بدأت واحدة من أوسع حملات الاستهداف المنظم ضدهم

ليس من السهل أن يمرّ الثاني من نيسان في العراق كأي يوم عابر.
هذا التاريخ لا يُقرأ في التقويم، بل يُستحضر من ذاكرة الألم… من وجوه الأمهات، من أسماء بلا قبور، ومن وطنٍ لم يُنصف أبناءه حتى الآن.
يوم الشهيد الفيلي ليس مناسبة رسمية تُختصر بدقيقة صمت، ولا خطاب يُلقى وينتهي.

إنه امتحان أخلاقي للدولة والمجتمع معًا: هل اعترفنا حقًا؟ هل أنصفنا؟ أم ما زلنا نُجامل التاريخ ونؤجل العدالة؟
ما تعرّض له الكورد الفيليون لم يكن “تجاوزات” أو “أخطاء مرحلة”، بل جريمة مكتملة الأركان، جريمة استُخدم فيها القانون كسلاح.
حين تصدر قرارات مثل 666 و474، لا يعود القانون ضامنًا للحقوق، بل يتحول إلى أداة اقتلاع.

في لحظة واحدة، صار المواطن غريبًا، والبيت مُصادَرًا، والهوية ممزقة.
أي دولة هذه التي تسحب الجنسية من أمّ، وتدفعها مع أطفالها إلى الحدود؟
أي عدالة تلك التي تختفي فيها آلاف الأرواح في السجون دون أثر أو جواب؟

نحن لا نتحدث عن أرقام جامدة.
نحن نتحدث عن أكثر من نصف مليون إنسان اقتُلعوا من جذورهم، وعن آلاف الشباب الذين اختفوا وكأن الأرض ابتلعتهم، وعن أمهات ما زلن حتى اليوم ينتظرن طرق باب لن يأتي.
الأكثر إيلامًا ليس ما حدث… بل ما لم يحدث بعده.
نعم، سقط النظام.
نعم، وُصفت الجريمة بأنها إبادة جماعية.

لكن، هل أُعيدت الحقوق؟

هل عادت الأملاك؟

هل كُشف مصير المفقودين؟

هل أُعيد الاعتبار الحقيقي لهذا المكوّن؟
الجواب المؤلم: ليس بعد.

الكورد الفيليون لم يكونوا يومًا هامشًا في هذا البلد.
كانوا تجارًا، ومثقفين، ومناضلين، وكانوا في الصفوف الأولى ضد الدكتاتورية.

ومع ذلك، ما زالت قضيتهم تُعامل كملف مؤجل، أو كذكرى موسمية تُستحضر ثم تُنسى.

العدالة لا تعني إصدار قرار، بل تنفيذ حق.
ولا تعني الاعتراف بالجريمة فقط، بل إصلاح آثارها كاملة.
يوم الشهيد الفيلي يجب أن يكون يوم مواجهة… لا مجاملة.
مواجهة مع التاريخ، مع الدولة، مع أنفسنا.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس تكرار الجريمة… بل التعايش مع نتائجها وكأنها أمر طبيعي.

في هذا اليوم، لا نحتاج إلى شعارات بقدر ما نحتاج إلى موقف.
موقف يعيد الحق، يكشف الحقيقة، ويُنهي هذا الصمت الطويل.
فالذاكرة إن لم تتحول إلى عدالة… تتحول إلى وجع دائم.

الرحمة للشهداء… والخزي لكل صمتٍ يؤجل إنصافهم.





اليوم, 19:41
العودة للخلف