شهدت مدينة الكاظمية المقدسة، مساء اليوم الجمعة، خروج مسيرة جماهيرية حاشدة عقب أداء صلاة الجمعة، ضمت المئات من أبناء المدينة والزائرين الوافدين إليها. وجاءت هذه الحشود استجابةً لدعوة أطلقها مؤخراً سماحة المرجع الديني جواد الخالصي، حيث عبر المشاركون عن دعمهم المطلق لقضايا الأمة الإسلامية ومواقف المقاومة في المنطقة، رافضين بشدة العدوان على الجمهورية الإسلامية.
وفي كلمة له خلال المسيرة التي اتسمت بطابع شعبي واسع، استهلها سماحته بالسلام والدعاء، متلوًا قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ). وأكد الخالصي أن أي جهد يُبذل في سبيل نصرة الحق، مهما كان صغيراً، يعد عملاً صالحاً يُثقل ميزان الأعمال.
وشدد سماحته على أن هذه المسيرات الجماهيرية والوقفات الشعبية، التي تغيظ الأعداء وترفع صوت التأييد للمجاهدين، تمثل عملاً صالحاً بحد ذاتها وتمهّد للواجب الأكبر المتمثل بالجهاد في سبيل الله. ودعا إلى عدم الاستهانة بهذه الأعمال، سواء كانت مسيرات أو كلمات أو مواقف داعمة.
وأوضح المرجع الخالصي أن طريق الأمة الوحيد لمواجهة التحديات هو الإسلام والوحدة، مشيراً إلى أن القوى المعادية التي تسعى لإضعاف الأمة إنما تمثل مشروع الهيمنة والعدوان. واستشهد بقوله تعالى: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى٨ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)، مبيناً أن موقف الأمة الثابت يقوم على رفض هذه المشاريع ومواجهتها.
وفي معرض حديثه عن نصرة المجاهدين، شدد الخالصي على أن هذه النصرة لا ترتبط بقومية أو عرق، بل بموقف الإنسان من قضايا الأمة المصيرية. وأوضح أن المجاهدين المدافعين عن الأمة ينتمون إلى شعوب متعددة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وحذر بشدة من إثارة الشعارات ذات الطابع العنصري، مؤكداً أن الخيانة لا ترتبط بعرق أو قومية، بل بالموقف من قضايا الأمة، وأن من يقف معها ويدافع عنها يمثلها مهما كان انتماؤه.
وأشار إلى أن الإسلام قد ألغى العصبيات الجاهلية القائمة على التفاخر بالأنساب، وأن وحدة الأمة اليوم تقوم على الرسالة المشتركة والقيم الجامعة.
وبيّن سماحته أن الأحداث المتسارعة في المنطقة ما هي إلا امتداد لصراع تاريخي خاضته الشعوب دفاعاً عن استقلالها وكرامتها، مشيراً إلى أن المواجهة الحالية تمتد في سياق معارك الأمة في فلسطين ولبنان واليمن والعراق.
كما استحضر محطات تاريخية مفصلية انطلقت من مدينة الكاظمية، لافتاً إلى أن الدعوة إلى الجهاد ضد الاحتلال الأجنبي انطلقت منها عام 1914، وتواصلت في ثورة العشرين ثم ثورة النفجف، لتؤكد أن الكاظمية كانت وما تزال منطلقاً لمواقف الدفاع عن الأمة وكرامتها. وربط ذلك برمزية الصبر والثبات التي يمثلها الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، الذي صابر وتحمل الأذى في سبيل نصرة الإسلام وإقامة العدل ورفض الظلم، داعياً أبناء الأمة إلى الاقتداء بهذه القيم.
وفي سياق حديثه عن التطورات الإقليمية، أشاد المرجع الخالصي بتضحيات قوى المقاومة في المنطقة، معتبراً أن المواجهة الراهنة تمثل معركة مشتركة لشعوب الأمة الإسلامية. وذكر سماحته أن تضحيات قادة المقاومة والشهداء في مختلف الساحات تشكل امتداداً لمسيرة الجهاد، لافتاً إلى أن دماء الشهداء في لبنان وإيران وفلسطين والعراق تشكل علامة بارزة في طريق النضال. وذكر في هذا السياق عدداً من رموز المقاومة والشهداء، منهم السيد علي خامنئي، والسيد حسن نصر الله، وشهداء فلسطين مثل إسماعيل هنية ويحيى السنوار وأحمد ياسين، إلى جانب شهداء العراق، مؤكداً أن تضحياتهم جميعاً تمثل محطة إضافية في مسيرة الصمود، ما دامت البوصلة واضحة ومركزها فلسطين.
ودعا الشعوب الإسلامية، ولاسيما المحيطة بفلسطين، إلى تحمل مسؤولياتها التاريخية واتخاذ مواقف داعمة للقضية الفلسطينية، مطالباً الشعوب والجيوش في المنطقة بالاضطلاع بواجبها في نصرتها.
أما على الصعيد العراقي، فأكد المرجع الخالصي أن المقاومة التي واجهت الاحتلال الأجنبي في العراق جسدت إرادة الشعب العراقي بكل مكوناته، ولا يمكن اختزالها بطائفة أو منطقة معينة، بل هي تعبير عن موقف وطني جامع. وشدد على أهمية الحفاظ على وحدة الصف الداخلي ونبذ الفتن والصراعات الطائفية التي قد تُستغل لإضعاف الأمة وتشتيت جهودها.
كما دعا القوات المسلحة العراقية إلى التمسك بدورها الوطني في حماية الوطن والشعب، مؤكداً أن الجيش الذي يدافع عن سيادة البلاد يمثل الإرادة الحقيقية للشعب العراقي.
واختُتمت المسيرة الجماهيرية بترديد التكبيرات عقب الصلاة على النبي وآله الأطهار، في مشاهد جسدت وحدة المشاركين وروح التضامن الشعبي مع قضايا الأمة الإسلامية.