تنوع نيوز - ايناس الوندي
في ليالي رمضان، بعد أن تهدأ موائد الإفطار وتُرفع صحون الشوربة والتمر، تبدأ حكاية أخرى… حكاية عراقية خالصة، لا تُكتب بالحبر بل تُروى بالصراخ والضحكات وتصفيق الأيادي. في مقاهي كركوك وحدائق أربيل ومدن إقليم كردستان، تعود الألعاب التراثية لتحتل المشهد الرمضاني من جديد، كأنها طقسٌ موازٍ للصيام، يبدأ بعد الفطور ولا ينتهي إلا مع أذان السحور.
هنا، لا فرق بين عربي وكوردي وتركماني. الكل يجلس في دائرة واحدة، والكل ينتظر لحظة الفوز أو “الـبات” التي تشعل المكان ضحكاً وهتافاً.
“الكلاوين”... لعبة الفراسة وذاكرة الأجداد
تُعرف عربياً بلعبة “القبعات”، وفي الكردية تُسمى “الكلاوين”. اثنتا عشرة قبعة صوفية تراثية تُرصّ أمام فريقين، وتحت إحداها يُخفى حجر صغير أو نرد أو جوزة. تبدو بسيطة، لكنها في الحقيقة معركة ذكاء وحدس
يقول أحد اللاعبين المخضرمين في كركوك إن اللعبة “مو بس تسلية، هي امتحان للفراسة”. كل حركة عين، كل ارتباك بسيط، قد يكشف السر. تمتد الجولات حتى منتصف الليل، وفي كل مرة يرتفع التصفيق كأن الفريق أحرز هدفاً في نهائي بطولة.
الأصوات تتداخل: موسيقى كوردية، ضحكات شباب، وصوت مسنّ يعلّق بخبرة السنين: “هاي الحركة مو طبيعية... أكيد بيها شي!”
“الصينية”... حين تختبئ الحكاية تحت فنجان نحاسي
في لعبة “الصينية” أو كما يسميها البعض “سيني زرف”، تُرصّ الفناجين النحاسية فوق صينية خفيفة، ويُخفى النرد تحت أحدها خلف ستار قماشي. لحظة رفع الستار، يسود الصمت... ثم يبدأ التحدي.
في الموصل وكركوك وأربيل، تتحول الأحياء إلى ساحات تنافس. فرق تتنقل بين المدن، ومباريات تُقام كأنها دوري رمضاني غير معلن. في نهاية الشهر، يُتوج “بطل الصينية”، لكن الربح الحقيقي هو ذاك الشعور الجماعي الذي يعيد دفء العلاقات بين الناس.
في كركوك تحديداً، تكتسب اللعبة طابعاً خاصاً. فهي لا تجمع اللاعبين فقط، بل تجمع القوميات الثلاث الرئيسية في المدينة: العرب والكورد والتركمان. الجميع يلتف حول الصينية نفسها، في مشهد يعكس هوية المدينة المتعددة.
“المحيبس”... صرخة “بات” التي تُشعل المكان
أما “المحيبس” أو “الخاتم”، فهي اللعبة التي تعبر الحدود الجغرافية داخل العراق. ورغم ارتباطها بمدن الوسط والجنوب، فإنها اليوم حاضرة بقوة في إقليم كردستان، خصوصاً بعد سنوات النزوح التي حملت معها العادات والتقاليد.
فريقان يجلسان متقابلين. يُخفى الخاتم في يد أحد اللاعبين سراً. يبدأ الخصم بتفحص الوجوه، يطلب فتح يد، ثم أخرى. توترٌ في العيون... وفجأة تُفتح اليد الصحيحة، أو يصرخ صاحب الخاتم “بات!” فينفجر المكان ضحكاً.
في تلك اللحظة، لا أحد يسأل من أين أتيت، ولا لأي مدينة تنتمي. اللعبة تذيب المسافات، وتخلق وطناً صغيراً داخل المقهى.
طقوس ما بعد الفطور... من الدامة إلى الدبكات
لا تكتمل الليلة الرمضانية من دون “الدامة”، اللعبة الشبيهة بالشطرنج، حيث يتحلق الجمهور حول لاعبين فقط، لكن الحماس يكفي لملء المكان. كبار السن يستعيدون ذكريات “أيام زمان”، والشباب يتعلمون قواعد ورثها الآباء عن الأجداد.
تُوزع الحلويات، وتُقام دبكات وأغانٍ تراثية، ويستمر السهر حتى قبيل السحور. كأن الجسد العراقي تعوّد هذا الإيقاع: إفطار، صلاة، لعبة، ضحكة، ثم انتظار أذان الفجر.
حين تحفظ الألعاب ذاكرة الجسد
هذه الألعاب ليست مجرد تسلية موسمية. إنها ذاكرة متحركة. ذاكرة تحفظ تفاصيل المجتمع العراقي، وتعيد إنتاجها كل رمضان. في زمن التكنولوجيا والهواتف الذكية، ما زالت “الكلاوين” و”الصينية” و”المحيبس” قادرة على جمع الناس وجهاً لوجه، بلا شاشات ولا فلاتر.
في كركوك وإقليم كردستان، تبدو ليالي رمضان وكأنها مقاومة ناعمة للنسيان. مقاومة تُمارَس باللعب، وتُعلن بالتصفيق، وتُختتم بضحكة جماعية قبل السحور.
هنا، يعود العراق جميلاً…
لا في الخطب ولا في الشعارات، بل في لعبةٍ بسيطة تخبئ حجراً صغيراً تحت قبعة، وتكشف في الوقت ذاته كنزاً أكبر: روح التآخي التي ما زالت حيّة.