الصفحة الرئيسية / المُجَبِّرجي… حكيم باب الشيخ وذاكرة الكورد الفيليّة في بدرة وبغداد

المُجَبِّرجي… حكيم باب الشيخ وذاكرة الكورد الفيليّة في بدرة وبغداد

ايناس الوندي. تنوع نيوز

في الأزقّة القديمة لباب الشيخ، حيث تختلط الذاكرة الشعبية بسير الرجال، يبرز اسم الحاج أحمد الكوردي (أحمد المُجَبِّرجي) بوصفه واحدًا من وجوه الكورد الفيليّة الذين تركوا أثرًا إنسانيًا ومهنيًا نادرًا في بغداد والعراق عمومًا. لم يكن مجرد معالج عظام، بل شاهد عصرٍ، وملاذًا للفقراء، واسمًا ارتبط بالثقة والرحمة.

وُلد أحمد علي قنبر عام 1879م في محلة باب الشيخ ببغداد، لأبوين كورديين فيليين من عشيرة موسى الكوردية الفيلية (القيتولية). نشأ في بيئةٍ ذات حضور فيلي كثيف، ولم يغادرها طوال حياته، رغم يسار حاله وامتلاكه دورًا في مناطق مختلفة من العاصمة. كان اختياره واضحًا: العيش بين الناس الذين أحبّهم وترعرع بينهم.
تعلّم مهنة التجبير على يد خاله شكر، لتصبح لاحقًا مهنته الرسمية ورسالة عمره. لم يكن له من الإخوة سوى أخٍ واحد هو محمود (جد كنّة ابنه شهاب)، ولم يكن للأخوين شقيقات.

تزوّج الحاج أحمد مرتين؛ الأولى من كه‌وَر (كه‌وي)، ورُزق منها عام 1920 بابنه عبد ثم ابنته تاوس، قبل أن تختطفها المنية في ريعان الشباب. فتزوّج شقيقتها زينب (زِينه‌و)، إيمانًا بأن الخالة أحنّ على أبناء أختها. أنجبت له ستة أبناء: جه‌سي، شهاب، كميلة، لميعة، شوكت، ومالك. تعلّم ثلاثة منهم المهنة (جه‌سي، شهاب، شوكت)، غير أن شهاب وحده امتهنها فعليًا بوصفه الابن الأكبر من الزوجة الثانية.

في مطلع شبابه، جُنِّد في الجيش العثماني وشارك في الحرب ضد روسيا القيصرية. وكان يجيد لغاتٍ عدّة: الكوردية، العربية، التركية، الفارسية، الآشورية، إضافةً إلى قليل من الإنجليزية—ميزة نادرة في زمنه.
محطة مفصلية في سيرته كانت معالجته للملكة عالية زوجة الملك غازي من كسرٍ استعصى على لجنةٍ طبية بريطانية ترأسها البروفسور رسن درسن. وبعد نجاح العلاج، منحته وزارة الصحة العراقية في العهد الملكي شهادة رسمية لمزاولة المهنة.

ومع ثورة 14 تموز 1958، لم يقف بعيدًا؛ عالج جرحى الثورة وساعدهم ماديًا، وعمل في المستشفى الجمهوري ستة أشهر بأمر من الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم، دون أن يتقاضى أجرًا من أبناء الشريحة الكوردية الفيلية. عُرف بدماثة الخلق ونصرة الفقراء؛ يروي حفيده فائق قاسم الفيلي (شقيق المناضل الكوردي المعروف كردو قاسم) أنّ جدهم دفن على نفقته الخاصة رجلًا توفي في باب الشيخ وتعذّر دفنه لغياب من يتكفّل به. كما اعتاد إقامة مجالس حسينية حبًا بآل البيت، وكان يجمع أبناءه وأحفاده في الأعياد دون تمييز، يوزّع “العيديات” بيدٍ كريمة.
وتشهد نظيرة إسماعيل كريم على خبرته وإنسانيته في روايةٍ شخصية تعود إلى ربيع 1963؛ إذ عالج يدها وهي طفلة بعد تعرّضها لسقوطٍ مؤلم. تصف صوته الهادئ، ولمسته الحنونة، وكيف بدّد خوفها بكلمةٍ طيّبة ومزحةٍ خفيفة، قبل أن يعيد يدها إلى موضعها ويلفّها برباطٍ أبيض—ذكرى بقيت حيّة حتى اليوم.

خلال أحداث انقلاب شباط 1963 ومقاومة أهالي باب الشيخ، نقل أبناءه إلى داره في البياع/شارع 20 حرصًا على سلامتهم، لكنه بقي في باب الشيخ مع زوجته زينب وابنه عبد ليخدم الناس في تلك الظروف العصيبة. وفي إحدى الليالي، بعد العشاء وصلاة العشاء، طلب بسط فراشه، وما إن رقَد حتى فاضت روحه.
كان تشييعه مهيبًا؛ قُطعت خلاله شوارع رئيسية من بغداد—الكفاح، الجمهورية، الصالحية، علاوي الحلة—وشارك مدير مرور بغداد، ورافقت النعش 180 سيارة حتى مقبرة وادي السلام في النجف الأشرف، حيث يرقد في المقبرة العائلية التي بناها بيده.
هكذا تُختصر سيرة الحاج أحمد المُجَبِّرجي: مهنةٌ تحوّلت إلى رسالة، واسمٌ صار ذاكرةً جمعية للكورد الفيليّة، ورجلٌ عاش بين الناس ومضى مرفوع الرأس.

المصادر : الباحث عبد الرسول جهانگير
اليوم, 11:39
العودة للخلف