أعداد . ايناس الوندي
في ليلة النصف من شعبان، لا تُفتح أبواب السماء بالدعاء فقط، بل تُفتح أبواب البيوت الكوردية على مصراعيها للفرح، حيث تمتزج الروح الدينية العميقة مع طقوس شعبية متوارثة، لتصنع مشهدًا نادرًا يجمع بين العقيدة والهوية والتراث الاجتماعي.
ليلة البراءة، أو كما يسمّيها البعض "ليلة الشموع"، ليست مجرد مناسبة دينية عابرة، بل محطة روحية واجتماعية تحمل رمزية خاصة في وجدان المسلمين عامة، والكورد الشيعة على وجه الخصوص، لما تمثله من معاني المغفرة والرجاء والتجدد.
البعد الديني… ليلة تُكتب فيها الأقدار
دينيًا، تُعد ليلة النصف من شعبان من الليالي المباركة التي يُعتقد أن الله فيها يفيض رحمته على عباده، ويغفر الذنوب، ويكتب الأرزاق والآجال. ويؤكد علماء الدين أن هذه الليلة تمثل فرصة للمراجعة الروحية، والإصلاح الذاتي، وتعزيز قيم التسامح وصلة الرحم.أما عند الشيعة، فتكتسب الليلة بُعدًا إضافيًا، إذ تتزامن مع ذكرى ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، رمز العدالة المنتظرة والأمل بالخلاص من الظلم، ما يجعلها ليلة احتفالية إيمانية، تُحيى بالزيارات، والدعاء الجماعي، والطقوس التعبدية، لا سيما في كربلاء المقدسة التي تشهد زحفًا مليونيًا في هذا اليوم.
الهوية الكوردية… حين تتحوّل العقيدة إلى تراث حي
المدن الكوردية، لا تبقى ليلة البراءة محصورة داخل المساجد والحسينيات، بل تخرج إلى الشوارع والأزقة، وتتحول إلى طقس اجتماعي نابض بالحياة.
مع حلول المساء، يرتدي الأطفال ملابسهم الجديدة، ويحملون أكياسهم الصغيرة، ويجوبون الأحياء مرددين أهازيج شعبية كوردية تناقلتها الأجيال:
ئەمشەو شەوی بەراتە
شەوی خۆشی و خەڵاتە
وامناڵان دەگەڕێن
دەست بە دەرگاوە ئەنێن
الليلة ليلة البراءة،
ليلة الفرح والعطايا،
والأطفال يجوبون الأزقة،
يطرقون الأبواب طلبًا للهدايا.
هذه الكلمات البسيطة تختصر فلسفة مجتمع كامل، حيث يتحوّل الفرح إلى فعل جماعي، ويتجسّد التضامن الاجتماعي في توزيع الحلوى والهدايا والشموع، في مشهد يعكس عمق الترابط الأسري والإنساني
رغم تغيّر أنماط الحياة وتسارع العصر الرقمي، ما زالت هذه العادات صامدة في المجتمع الكوردي، باعتبارها جزءًا من الهوية الثقافية التي تقاوم الذوبان.يقول باحثون اجتماعيون إن استمرار هذه الطقوس يعكس حاجة المجتمع إلى التوازن بين الحداثة والجذور، ويؤكد أن المناسبات الدينية تتحول في المجتمعات الشرقية إلى فضاءات للحفاظ على التراث الشعبي، وليس فقط مناسبات عبادية.
من الشموع إلى الرسالة الإنسانية
في هذه الليلة، تلتقي السماء بالأرض عبر الدعاء، ويلتقي الماضي بالحاضر عبر الأغنية الشعبية، وتبقى الشموع المضيئة في أيدي الأطفال شاهدًا حيًا على أن الإيمان يمكن أن يكون نورًا، وأن التراث يمكن أن يكون حياة.
ليلة البراءة… ليست مجرد مناسبة، بل مرآة لهوية الكورد، ونافذة روحية للشيعة، وجسر إنساني يصل الدين بالفرح الشعبي.