الصفحة الرئيسية / غرينلاند.. أحد أكبر المطامع الاستراتيجية التي تسعى أمريكا للسيطرة عليها في القطب الشمالي

غرينلاند.. أحد أكبر المطامع الاستراتيجية التي تسعى أمريكا للسيطرة عليها في القطب الشمالي


أعداد . ايناس الوندي 

تُعد جزيرة غرينلاند واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم خلال العقدين الأخيرين، بعد أن تحوّلت من منطقة قطبية معزولة إلى ساحة صراع دولي مفتوح بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، التي تسعى لتعزيز نفوذها والسيطرة على هذه الجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي والثروات الكامنة.

الموقع الجغرافي والأهمية الاستراتيجية

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي، وتُعد أكبر جزيرة غير قارية في العالم بمساحة تتجاوز 2.1 مليون كيلومتر مربع. ويقع أكثر من 80% من أراضيها داخل الدائرة القطبية الشمالية، ما يمنحها أهمية استثنائية في التحكم بممرات الملاحة البحرية والجوية بين أوروبا وأمريكا الشمالية.
ويمثل موقع غرينلاند نقطة مراقبة حيوية للحركة العسكرية والتجارية في القطب الشمالي، خاصة مع تزايد الاعتماد على الممرات القطبية الجديدة التي بدأت بالظهور نتيجة ذوبان الجليد.
التبعية السياسية والوضع الإداري

غرينلاند إقليم يتمتع بالحكم الذاتي ويتبع رسميًا لمملكة الدنمارك منذ عام 1814، حيث تمتلك حكومة وبرلمانًا محليين يديران الشؤون الداخلية، فيما تبقى السياسة الخارجية والدفاع تحت مسؤولية كوبنهاغن.
ورغم هذا الارتباط، فإن الجزيرة تشهد تناميًا في المطالب الشعبية بالاستقلال الكامل، مدفوعة بالرغبة في التحكم بثرواتها الطبيعية بعيدًا عن الهيمنة الأوروبية أو الضغوط الدولية.

الخصائص المناخية والجغرافية
تغطي الصفائح الجليدية نحو 80% من مساحة غرينلاند، وتُعد من أكبر الخزانات الجليدية على كوكب الأرض. ويتميز مناخ الجزيرة ببرودة قطبية شديدة، حيث تنخفض درجات الحرارة شتاءً إلى ما دون 30 درجة مئوية تحت الصفر، بينما يكون الصيف قصيرًا ومعتدلًا نسبيًا في المناطق الساحلية.

وتتكون تضاريس غرينلاند من جبال جليدية، وسهول صخرية، وسواحل وعرة، مع انتشار محدود للنباتات بسبب الظروف المناخية القاسية.
التغير المناخي وتحول الجزيرة إلى مركز اهتمام عالمي
أدى الاحتباس الحراري إلى تسارع غير مسبوق في ذوبان الجليد في غرينلاند، ما تسبب في ارتفاع منسوب مياه البحار عالميًا، وأعاد رسم الخريطة البيئية للمنطقة.

وفي المقابل، كشف ذوبان الجليد عن موارد طبيعية ضخمة كانت مدفونة تحت الطبقات الجليدية، من بينها معادن نادرة، وعناصر استراتيجية تدخل في صناعة البطاريات والتكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة، إضافة إلى احتمالات وجود احتياطيات نفط وغاز.
هذا التحول جعل غرينلاند محورًا اقتصاديًا جديدًا تتنافس عليه القوى الكبرى.

لماذا تسعى الولايات المتحدة للسيطرة على غرينلاند؟
تعود أسباب الاهتمام الأمريكي المتزايد بغرينلاند إلى عدة عوامل مترابطة:

أولًا: الموقع العسكري والأمني
تحتضن غرينلاند واحدة من أهم القواعد العسكرية الأمريكية في القطب الشمالي، وهي قاعدة "بيتوفيك" الفضائية (ثول سابقًا)، التي تُستخدم لمراقبة الفضاء وأنظمة الإنذار المبكر للصواريخ الباليستية. وتمنح هذه القاعدة واشنطن قدرة استراتيجية على رصد أي تهديد محتمل من روسيا أو دول أخرى.

ثانيًا: السيطرة على طرق الملاحة القطبية
مع ذوبان الجليد، بدأت تظهر ممرات بحرية جديدة تختصر المسافات بين آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وتسعى الولايات المتحدة إلى ضمان نفوذها على هذه الطرق الحيوية التي قد تصبح شريانًا تجاريًا عالميًا خلال العقود القادمة.

ثالثًا: الثروات الطبيعية والمعادن النادرة
تُعد غرينلاند من أغنى المناطق المحتملة بالمعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم والعناصر الأرضية النادرة، التي تدخل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة. وتسعى واشنطن إلى تقليل اعتمادها على الصين في هذا المجال عبر السيطرة على مصادر بديلة.

رابعًا: الصراع الدولي في القطب الشمالي
يشهد القطب الشمالي سباق نفوذ متصاعدًا بين الولايات المتحدة وروسيا والصين. وتعتبر واشنطن أن السيطرة على غرينلاند تعزز حضورها العسكري والسياسي في المنطقة، وتحدّ من تمدد المنافسين.

الجدل السياسي وردود الفعل الدولية
أثارت محاولات واشنطن السابقة لشراء غرينلاند أو فرض نفوذ مباشر عليها موجة رفض واسعة من الدنمارك وسكان الجزيرة، الذين أكدوا أن غرينلاند ليست سلعة للبيع، وأن مستقبلها يحدده شعبها فقط.
ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة تزيد من استثماراتها العسكرية والدبلوماسية في الجزيرة، في مؤشر واضح على استمرار سعيها لترسيخ نفوذ طويل الأمد هناك.

خلاصة المشهد
تحولت غرينلاند من جزيرة جليدية نائية إلى نقطة ارتكاز استراتيجية في الصراع الدولي على الموارد والنفوذ. وبين التغير المناخي الذي كشف ثرواتها، والتنافس العسكري في القطب الشمالي، أصبحت الجزيرة واحدة من أهم بؤر الصراع الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة مساعيها للسيطرة عليها بوصفها أحد أكبر المطامع الاستراتيجية في العالم الحديث.

اليوم, 11:43
العودة للخلف