الصفحة الرئيسية / نصير شَمّة… موسيقار الكورد الفيلية الذي حوّل وجع العراق إلى لحن عالمي

نصير شَمّة… موسيقار الكورد الفيلية الذي حوّل وجع العراق إلى لحن عالمي

تحقيق: ايناس الوندي

في مسرح أوروبي أنيق، ينحني موسيقار عراقي على عوده، يمرّر أنامله بخفة وكأنه يروي حكاية منسية. يخيّم الصمت على الجمهور لثوانٍ، قبل أن ينفجر المكان بالتصفيق الحار. تلك اللحظة ليست مجرد حفلة، بل هي رواية عراقية كاملة تُروى بلغة الأوتار. صاحبها هو نصير شَمّة، ابن الكوت وخانقين، وواحد من أبرز وجوه الكُرد الفيلية الذين حوّلوا الألم إلى موسيقى تتخطى حدود الزمان والمكان.

جذور فيلية وهوية عراقية جامعة
وُلد نصير شَمّة عام 1963 في مدينة الكوت، من أبٍ كُردي فيلي من خانقين وأم عربية من واسط. هذه الثنائية لم تكن مجرد نسب، بل صارت رمزاً لهوية عراقية جامعة، وهو ما انعكس في موسيقاه التي مزجت الشرق بالغرب، الحنين بالتمرّد، والجذور بالانفتاح. يقول شَمّة في أكثر من مناسبة: "أنا ابن العراق بتنوعه، وجذوري الفيلية علّمتني الصبر والتمسك بالهوية مهما كانت الظروف."

من بغداد إلى العالم… مسيرة عود وعنقود أحلام
بدأت رحلته في معهد الدراسات الموسيقية ببغداد عام 1987، متتلمذًا على يد منير وجميل بشير. سرعان ما تحوّل من طالب إلى أستاذ، لكن مسار الحرب والحصار دفعه نحو تونس، حيث بدأ التدريس في المعهد العالي للموسيقى عام 1993.
عام 1999، أسّس مشروعه الأبرز: بيت العود العربي في القاهرة. لم يكن مجرد معهد، بل بيتٌ فعلاً، يضم المواهب الصغيرة، ويعيد للعود هيبته كآلة عالمية. اليوم، صار "بيت العود" موجوداً في أبوظبي وبغداد، شاهداً على حلم امتدّ من ضفاف دجلة إلى كل العالم.

ابتكار وحس إنساني
لم يكتفِ شَمّة بالعزف التقليدي؛ بل أعاد إحياء عود الفارابي بثمانية أوتار ليمنح الآلة نَفَساً جديداً، وابتكر طريقة للعزف بيد واحدة، كي يتمكن مصابو الحروب من التعبير بالموسيقى رغم فقدان أطرافهم. كان يرى أن "الموسيقى ليست رفاهية، بل علاج للروح والذاكرة".
من وجع العراق إلى ألق بغداد
شَمّة لم ينقطع عن بلده رغم الغربة. عاد في لحظات مفصلية ليطلق مبادرات إنسانية وثقافية: مشروع «ألق بغداد» لإعادة الحياة إلى ساحات العاصمة، وحملات لدعم إعمار الموصل بعد دمارها. كان يؤكد أن "الفن يمكن أن يبني ما هدمته السياسة والحروب".

تكريم عالمي وهوية راسخة
نال لقب «فنان اليونسكو للسلام»، وأصبح سفيرًا للاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر. ومع ذلك، ظل يُعرّف نفسه بأنه "عازف عود عراقي من أصول كردية فيلية"، لا يساوم على هويته، ولا على ذاكرة قريته وبيئته التي شكلت وعيه الأول.

لماذا وصل إلى هذه الشهرة؟
لأنه جمع بين الموهبة الأصيلة والرسالة الإنسانية. لم يكتفِ بالعزف، بل جعل الموسيقى وسيلةً للشفاء وباباً للحوار. في كل حفلة، كان يعزف العراق؛ الوطن الجريح الذي لا يزال قادراً على الغناء.

خاتما :
نصير شَمّة ليس مجرد موسيقار عالمي، بل حكاية عراقية كاملة. ابن الكورد الفيلية الذي خرج من خانقين والكوت حاملاً وجع الوطن، ليحوّله إلى نغم خالد. موسيقاه شهادة على أن العراق، مهما انكسر، يبقى قادراً أن ينهض بأوتار العود وصوت الفن.


17-08-2025, 16:00
العودة للخلف