×

أخر الأخبار

يوم القدس .. الرمز والمسؤولية

  • اليوم, 16:56
  • 15 مشاهدة

في زحام القصف والعواجل الخبرية وأصوات القصف والغارات الذي تعيشه منطقتنا منذ الثامن والعشرين من شباط عام 2026، تاريخ عروج القائد الامام السيد الخامنئي إلى بارئه شهيداً صائماً، لم تعد القدس مجرد قضية، بل تحولت إلى ساحة المواجهة الأكثر سخونة، وإلى المقياس الحقيقي لمن يربح ومن يخسر في هذه الحرب المفتوحة التي أطلق عليها اسم "الوعد الصادق 4".

اللافت هذه المرة أن إيران العزة  -التي استشهد مرشدها الأعلى الإمام شهيد الامة السيد علي الخامنئي في اليوم الأول للعدوان الغادر- لم تنكسر، بل خرجت من المحنة بإرادة أقوى وباستراتيجية عسكرية جديدة أعلنها المتحدث باسم مقر "خاتم الأنبياء" إبراهيم ذو الفقار حين قال؛ "انتهى زمن الرد بالمثل، وبدأ زمن الضربات المتواصلة".

هذه العبارة وحدها تختزل تحولاً في فلسفة الدفاع الإيراني؛ فإيران لم تعد تنتظر لتقييم الضربة ثم ترد، بل دخلت في حالة استنفار هجومي دائم، جعلت من عملية "الوعد الصادق 4" -التي وصلت إلى موجتها السادسة والأربعين- آلية ضغط يومية وصداعاً لا ينتهي في رأس العدو.

يأتي يوم القدس هذا العام ليعيد طرح السؤال الأهم؛ كيف ستؤثر هذه المواجهة على مستقبل القضية الفلسطينية؟ المؤشرات التي نقرأها تقول إن إيران نجحت في تحويل يوم القدس من مناسبة رمزية إلى محطة حقيقية في الحرب الحتمية ضد "الغول  المتوحش الصهيوني"؛ إذ تزامنت الموجة 46 من "الوعد الصادق 4" مع الجمعة الأخيرة من رمضان (موعد يوم القدس)، واستهدفت أماكن اختباء قادة جيش الاحتلال في حيفا، وقيسارية، وزرعيت، وشلومي، والمجمع الصناعي العسكري في "حولون".

هذا يعني أن القدس لم تعد مجرد شعار يرفع في المسيرات، بل هي هدف عسكري يضرب بالصواريخ. والعدو الذي ظن أنه بضرب العمق الإيراني سيثني طهران عن دعم فلسطين، يكتشف أن العكس هو الصحيح؛ فكلما اشتد القصف على إيران، ازدادت الصواريخ على تل أبيب.

الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة؛ فإيران وإن تكبدت خسائر بشرية مؤلمة وعزيزة، تاجها كان السيد الشهيد قائدنا الامام الخامنئي، فإن المقابل الإسرائيلي -ورغم محاولات التعتيم- يظهر صورة مختلفة. صواريخ إيرانية عنقودية تطلق رؤوساً حربية متناثرة قللت من احتمالات انهيار المباني بالكامل، لكنها وسعت نطاق الشظايا والأضرار بشكل غير مسبوق؛ والنتيجة؛ نحو ثلاثة آلاف مصاب إسرائيلي، وأكثر من تسعة آلاف طلب تعويض عن أضرار في الممتلكات خلال أيام قليلة.

الرسالة الإيرانية واضحة؛ "أنتم تضربون عمقنا ونحن نضرب عمقكم، أنتم تستهدفون قادتنا ونحن نجعل حياتكم اليومية جحيماً لا يطاق". تل أبيب الكبرى، التي تلقت 39% من الهجمات، عرفت لأول مرة معنى أن تكون في مرمى النيران بشكل متواصل.

اللحظة الأكثر دلالة في هذه الحرب جاءت على لسان طهران حين قالت؛ "نهاية الحرب لن تحددها الولايات المتحدة أو إسرائيل، بل الجمهورية الإسلامية وحدها". هذه العبارة تحمل أكثر من معنى؛ فهي تقول إن معادلات القوة التقليدية التي كانت تحكم المنطقة -حيث الطرف الأقوى عسكرياً هو من يقرر متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي- لم تعد صالحة.

أما الولايات المتحدة، التي تكبدت حتى الآن خسائر غير معتادة في العدة والعتاد والعسكر، فتكتشف أن الحرب مع إيران ليست "نزهة في حديقة الخليج". ترامب، الذي أعلن أن هدف العملية إسقاط النظام الإيراني، يجد نفسه اليوم أمام معادلة صعبة؛ الانسحاب يعني الاعتراف بالفشل، والاستمرار يعني المزيد من الخسائر والاستنزاف في عام انتخابات نصفية حاسمة.
إن شهادة القائد الأعلى الإمام السيد علي الخامنئي في اليوم الأول من الهجوم كان يمكن أن تكون ضربة قاتلة للنظام لو كان هشاً، لا "ربانياً مؤمناً" من القاعدة حتى رأس الهرم. لكن ما حدث كان متوقعاً لنا تماماً؛ فاعتياد "مجتبى خامنئي" قائداً جديداً للبلاد في ظروف الحرب وبأغلبية ساحقة من مجلس خبراء القيادة، أرسل رسالة داخلية وخارجية مفادها؛ النظام موحد ومتماسك، الانتقال سلمي، والثأر للقائد الشهيد سيكون عنوان المرحلة.

العراق في هذه المواجهة ليس هامشاً، بل هو العمق الاستراتيجي الذي يتحكم بموازين كثيرة؛ ففصائل المقاومة الإسلامية في العراق التي أعلنت إسقاط طائرة تزويد بالوقود أمريكية من نوع (KC-135) غربي البلاد، تؤكد استمرارها في استهداف المصالح الأمريكية. هذا الموقف يثبت أن معادلة "وحدة الساحات" ليست شعاراً بل خطة عمل؛ فساحات العراق ولبنان واليمن كلها تتحرك بتنسيق واضح لإرباك العدو ومنعه من تركيز قوته في جبهة واحدة.

السؤال الذي يبقى معلقاً؛ كيف ستنتهي هذه الحرب؟

إيران ترفع سقف مطالبها إلى إجبار أمريكا على الاعتراف بالهزيمة، بينما واشنطن وتل أبيب تكتشفان يوماً بعد يوم أن "تغيير النظام بالصواريخ" أصعب بكثير مما كانتا تتصوران.

يوم القدس هذا العام هو محطة في حرب وجودية، واختبار لقدرة محور المقاومة على تحويل "الدم إلى نصر ناجز". وفي كل الأحوال يبقى ثابت واحد؛ القدس التي كانت دوماً في قلب المعادلة، أصبحت اليوم في قلب النار، والمنطقة مقبلة على أيام عصيبة سيكتشف فيها الجميع أن الرهانات الخاطئة ثمنها باهظ.

بصراحة، ما نشهده اليوم يتجاوز حدود التوقع؛ إنها لحظة تاريخية بكل ما في الكلمة من معنى، لحظة تختبر فيها الأمم وتتحدد فيها ملامح العقود القادمة، والقدس -كما كانت دوماً- هي البوصلة التي تشير إلى الاتجاه الصحيح.

المؤتمر الوطني العام 
  للكورد الفيليين 
   13 آذار 2026 
الجمعة 22 رمضان 1447 هجرية