×

أخر الأخبار

رمضان في مندلي

  • 24-04-2020, 12:48
  • 366 مشاهدة
  • احمد الحمد المندلاوي

أخذتني الذاكرة الى الخمسينات لأسرد يوماً رمضانياً لا سيما اليوم الأول منه ،فبعد انتهاء شهر شعبان الكريم أعتاد أهالي مندلي و عند الغروب أن يخرجوا الى السطوح لاستهلال شهر رمضان المبارك،وبعد فترة وجيزة اذا شوهد الهلال يبدأ باطلاق النيران في الهواء احتفاء و إشارة الى حلول هذا الشهر الفضيل؛ و يصادق العالم الديني على ذلك ،وكان آنذاك العلامة السيد حسن الطباطبائي (قدس) ،أو تأتي برقية من النجف الأشرف توحي بذلك، هنا بدأت مسيرة الصوم لمدة شهر كامل طاعة لله سبحانه و تعالى.
وقبل ذلك إعتاد الأهالي على التجهيز لشهر رمضان قبل قدومه بأسابيع, إضافة إلى إعداد المخللات و عصير الرمّان والنارنج و غيرها بطريقة شعبية تقوم بها النساء،وثم التزود بالخضروات والفواكه واللحوم على كافة أنواعها.ويظهر الازدحام في السوق الرئيسي بشكل ملفت للنظر الى بعد صلاة الظهر، هنا يبدأ السكون النسبي في الطرق و المحلات ،لتبدأ جولة ثانية عصراً في عدة أماكن من مدينة مندلي ،فهناك السوق الصغير الكائن في محلة قلعة جميل بيك يبدأ بالنشاط لبيع الخضراوات و الفواكه والرطب والألبان المحلية و المخللات و الحلويات ..و هناك باعة متجولون يعرضون مبيعاتهم أيضاً ..
ونفس الحالة نراها في سوق أصغر لدى منطقة (سَرْتبة – سَرْ جو) و يعني رأس التلّة – رأس النهر قرب الحسينية الكبيرة ،و هناك عدة مقاهٍ .يبدأ أصحابها بالكنس و الرش و تنظيف الحصران و أدوات المقهى و الناركيلة استعداداً للمساء الرمضاني الذي يزدحم المكان بالرواد ،حيث قسم منهم يمارسون لعبة المحيبس المشهورة ،وهكذا يبدأ النشاط و مع الظمأ و الجوع ألا أنَّ البسمة و الارتياح بادٍيانِ على الوجوه في هذا الشهر الفضيل ،لما فيه من الطاعة و اللهو البريء ،و جمع الشمل و التزاور .
ونفس الحالة في محلة بوياقي و قلعة ميرحاج و في وسط المدينة أيضاً ،و نستطيع أن نقول بأنَّ المدينة تقسم الى سويقات صغيرة حسب الكثافة السكانية ،و لكن أبرزها ما موجود في منطقة (سَرْتبة – سَرْ جو) التابعة لمحلة قلعة بالي .
بعد الإفطار يتجه الصائمون الى الجوامع و الحسينيات و التكايا،و أودّ أن أذكر هنا بأنّ ثلاثة أماكن فعّالة في ليالي رمضان و هي:جامع السوق الصغير / محلة قلعة جميل بيك الذي تقام فيه مراسيم قراءة القرآن ودعاء الافتتاح ليلياً،وكذلك في حسينية مندلي الكائنة في محلة قلعة بالي تقام نفس المراسيم، أما في الجامع الكبير الكائن في محلة السوق الكبير على ضفاف تهر السوق تقام فيه صلاة التراويح ليلياً،و بعد الطقوس العبادية تبدأ مرحلة الاستراحة واللهو البرئ، بشرب الشاي و الناركيلة و لعبة المحيبس ،كما تتوافد الفرق الشعبية لكل محلة بعضها على بعضها لأداء اللعبة ، و أشهر مقهى لهذه اللعبة كان مقهى (تعبان) القديم ،والأطفال يلتهون بشراء الكرزات و اللبلبي و الباقلاء و الذرة والحلويات،والمرطبات المحلية (دوندرمة)،وقسم آخر منهم يلعبون لعبة الفوانيس المصنوعة من العلب المتروكة بعد ثقبها بشكل جميل ،وآخرون يلعبون لعبة السيارات بعجلات وإطارات الدراجات الهوائية، وآخرون يعملون لهم خيولاً من القصب و غيرها من ألعاب الأطفال، على ضوء النجوم و طيب النسيم في تلك المحلات و الأزقة الجميلة المتداخلة في البساتين.
أما النساء فيقمن بزيارة أهاليهن و جاراتهن الى وقت متأخر من الليل مع صينية الشاي و الفواكه و الكرزات،وتستمر الحركة و النشاط الى آن السحور ،حيث يأتي الثنائي إسماعيل أبو خليل بالعزف على آلة الزورنا الشعبية ، وحسين أبو الطبل بالضرب على الطبلة بالحان شعبية جميلة لايقاظ الناس النائمين للسحور ،وطالما يبتهج الأطفال على نغمات الموسيقى (الزورنا) فينهضون مع أهاليهم فرحين لتناول السحور ،ثم يبدأ الإمساك على صوت الملا نظر من مأذنة جامع السوق الصغير ،و بصلاة الفجر يعمّ المدينة السكون التام و النوم العميق ؛ استعداداً ليوم ثان من شهر رمضان الفضيل ...
هذا وقد اخبرني احد الأصدقاء (عمار..) قائلا:
رغم بعد المسافة المكانية وحتى قلْ الحضارية بيننا غير انني وجدتني في مقالك هذا استرجع الذكريات الجميلة عن شهر رمضان في مدينتي وكانه شعور واحد بل قل نفس واحدة.مقالة وصفية رائعة..
رمضان كريم على جميع المسلمين ..يا رب العالمين